ذكرى 13 نيسان: الأمل المستحيل بالنصر أداة لإدامة الألم
مقدمة: فصل من كتاب "عواصف في ذاكرة" غير المنشور: "في الثالث عشر من شهر آذار 1976، سقطت ثكنة بهجت غانم في طرابلس بيد القوات المشتركة، وهي التي كانت ملاصقة لمدرسة الآباء البيض في القبة، فسقط شارع الأرز إثرها بالكامل. بعد أيام، تم الاستيلاء على دير مار يوسف، الذي تحول بعدها إلى موقع أساسي للقوات المشتركة.
في تلك الأيام، قمنا مع الرفاق بجولة استكشافية على الثكنة المستباحة. كانت الأوراق والمستندات المبعثرة منثورةً في ساحاتها بين الآليات المحروقة وبين جيف لعشرات من الخيول التي كانت تشارك عادة في الاستعراضات العسكرية، فتمت معاقبتها على ذلك من قبل المسلحين الثوريين.
كان من بين الضحايا حصان جريح، أخذ يصهل بشكل مثير للشفقة وكأنه يستغيث وهو يحاول عبثًا الوقوف على قوائمه الأربعة، ليعود وينهار تكرارًا، إلى أن خارت قواه. كان عاجزًا عن تحريك القائمتين الخلفيتين المصابتين بعدة طلقات. حاولنا الاقتداء بما كان يفعله رعاة البقر في أفلام الغرب الأميركي، حيث كانوا يطلقون رصاصة الرحمة على رؤوس الخيل المعطوبة، لكن لم يجرؤ أيٌ منا على القيام بذلك، وبقي الحصان لينازع وحيدًا دون مُجير.
في ركن آخر، كان بعض المراهقين من عمرنا يحاولون قيادة ناقلة جنود مصفحة، فاجتاحت بضع شجرات بقيت صامدة حتى تلك اللحظة في باحة الثكنة، وهُدمت أيضًا بضع حيطان، قبل أن يخرجوا بها وهي تتهادى كسكرى إلى الشارع العام. أذكر أن القوات المشتركة انتزعت هذه اللعبة من الأولاد، بعد أن نالت من عشرات السيارات المنكودة الحظ على طريقها.
دخلنا مدرسة الآباء البيض. كانت الكنيسة مُخربة والطاولات والكراسات والكتب مُبعثرة في الأروقة وقاعات الدراسة والمكاتب الإدارية. العشرات من الكتب الأدبية الفرنسية للكاتب "هونوريه دو بالزاك" و"فيكتور هيغو" و"شاتوبرياند" و"إميل زولا"، وكانت أغلفتها من النوع الفاخر المذهب، وهي من مقتنيات الرهبنة الثمينة، كانت مكومة في الباحة استعدادًا لإحراقها، لكنها نجت لسبب ما، قد يكون لانشغال المسلحين بأمر آخر. أصبح بعضها اليوم محفوظًا في إحدى المكتبات العامة في طرابلس، كما أنقذنا مجموعات نادرة من الطوابع البريدية، لم أعد أعرف اليوم قيمتها.
حال شارع الأرز كانت أسوأَ بكثير، فقد غزت الأبنية السكنية جحافل من رجال من قرى الجرود، أتوا كالجراد مع جراراتهم الزراعية، وحملوا على مقطوراتها كل ما أمكن انتزاعه من "بيوت الكفار". اقتلعوا المراحيض والمغاسل والبلاط والشبابيك والأبواب، وأخذوا الأواني والأدوات الكهربائية ونحاس الخطوط الكهربائية. شاهدنا بأم العين مقتل عدة أشخاص لخلافات حول الغنائم. حسبما أذكر، فإن حفلة النهب استمرت لعدة أيام قبل أن تعود وتشتعل الجبهات من جديد، فهرب الحرامية وبقي المقاتلون..." (انتهى الاقتباس).
في كل عام، تعود ذكرى الحرب الأهلية اللبنانية بوصفها جرحًا لم يُغلق، بالرغم من مضي السنين. صحيح أن اللبنانيين عادة يحبّون استحضار مآسيهم، أحيانًا لمجرد الدخول في الحديث واستحضار انتباه الآخرين، لكن كما يبدو، وعلى نحو يكاد يكون قدريًا، لم يخرج لبنان فعلاً من الحرب حتى حين توقفت المعارك. لقد تغيّرت الوجوه، تبدّلت الشعارات، تبدلت التحالفات الإقليمية، لكن البنية العميقة التي صنعت الحرب بقيت حاضرة: هشاشة الدولة، تعدد المرجعيات، ارتهان الداخل للخارج، والأخطر من ذلك كله، تحويل الأمل بالنصر المبين إلى وسيلة لتأجيل الحقيقة.
المأساة اللبنانية لم تكن يومًا فقط مأساة السلاح أو الانقسام الطائفي، بل كانت أيضًا مأساة الوعد المؤجل. فكل مرحلة من تاريخ هذا البلد قامت على وعد بالخلاص: انتصار نهائي، تحرير كامل، إصلاح شامل، توازن مستدام، أو تسوية ستضع حدًا للأزمات. لكن ما حدث، مرة بعد مرة، هو أن الوعد تحوّل إلى أداة لتعليق الحياة، وتأجيل الحساب، وإبقاء الناس في حالة انتظار دائم لما لا يأتي.
وهنا تكمن القسوة الحقيقية: لبنان لا يعيش اليوم صراعًا بين أمل ويأس، بل بين شكلين من الألم. ألم الاستمرار في انتظار خلاص مؤجل، وألم الاعتراف بأن بعض الوعود التي بُنيت عليها التضحيات الكبرى لم تعد قابلة للتحقق. هذا هو المعنى العميق الذي يجعل ذكرى الحرب الأهلية مناسبة راهنة، لا ذكرى تاريخية. فالحرب اللبنانية لم تكن فقط صدامًا على السلطة أو الهوية، بل كانت أيضًا انفجارًا لوهم أن طرفًا يستطيع أن يحسم لبنان لصالحه، أو أن مشروعًا إقليميًا أو عقائديًا يمكن أن يصهر هذا البلد داخل سردية واحدة. وكانت النتيجة معروفة: خراب شامل، مجتمع ممزق، ذاكرة مثقلة، ودولة خرجت من الحرب ضعيفة حتى في لحظة السلم.
اليوم، وبعد عقود على انتهاء الحرب رسميًا، يبدو لبنان كأنه يعيد إنتاج منطقها بأدوات جديدة. الحرب المفتوحة على الحدود، والارتهان المتجدد لموازين القوى الإقليمية، والخطاب الذي يطلب من جزء من اللبنانيين مزيدًا من الصبر والتحمل، وفي الوقت ذاته يستعدي ويخوّن جزءا آخر منهم، كلها عناصر تعيد استحضار البنية نفسها: تعليق الحاضر على مستقبل مفترض، وربط مصير الناس بوعد أكبر من طاقتهم على الاحتمال.
المشكلة هنا ليست فقط في خيار عسكري أو سياسي بعينه، بل في آلية نفسية ووطنية أعمق: هي الخوف من التراجع لأن التراجع يفرض مواجهة الحقيقة. وقد ساهمت الشعارات التعبوية التي رُفعت على مدى سنوات، وفي مقدّمها خطاب "أشرف الناس"، في ترسيخ هذا المأزق النفسي والسياسي. فحين تُقدَّم جماعة بعينها بوصفها تجسيدًا أخلاقيًا أعلى للتضحية والكرامة، لا يعود النقاش في الخيارات والنتائج نقاشًا سياسيًا عاديًا، بل يتحوّل إلى مساس بصورة الذات الجماعية ومعناها. هنا تكمن خطورة الشعارات حين تتحول من لغة تعبئة ظرفية إلى بنية وعي مغلقة إذ يصبح الاعتراف بالخطأ أشبه بخيانة للذاكرة، والتراجع أشبه بإهانة للتضحيات، والمراجعة أشبه بسقوط رمزي لا يُحتمل. وهكذا، بدل أن تكون التضحية وسيلة لحماية الجماعة والوطن، تصبح الجماعة نفسها أسيرة صورة بطولية عن ذاتها، تفضّل الاستمرار في الألم على مواجهة حدود الواقع، وكأن التراجع عن الوهم أشد قسوة من الاستمرار في دفع ثمنه. فحين تُبنى الشرعيات على فكرة الصمود، وحين تُربط التضحيات الكبرى بوعد تاريخي بالخلاص، يصبح التراجع مؤلمًا لا لأنه هزيمة ميدانية فقط، بل لأنه يهدد المعنى الذي أعطى سنوات الألم مبررها.
وهنا تحديدًا تلتقي السياسة بالتجربة الإنسانية الأكثر قسوة وهي تجربة الانتظار. فالإنسان الذي ينتظر طويلًا لا يخاف فقط خسارة حلمه، بل يخاف أيضًا خسارة الجزء من نفسه الذي تشكّل حول هذا الحلم. الاعتراف باستحالة الوعد لا يعني فقط فقدان الهدف، بل الاعتراف بأن سنوات من الترقب، والتضحيات، والحرمان، ربما لم تكن طريقًا إلى شيء.
في لبنان، هذا المنطق أخذ أشكالًا متعددة. مرة في انتظار الحسم العسكري، ومرة في انتظار تسوية عربية، ومرة في انتظار تدخل دولي، ومرة في انتظار خلاص مذهبي أو إقليمي. وفي كل مرة، كان البلد يدفع الثمن باقتصاد ينهار، شباب يهاجرون، مؤسسات تضعف، وثقة الناس بالدولة تتآكل.
لكن الأخطر أن الانتظار نفسه صار جزءًا من الهوية السياسية اللبنانية. كأن البلد لم يعد يعرف كيف يعيش خارج منطق تعليق الدولة على التسويات، وتعليق الإصلاح على التوازنات، وتعليق الأمن على حسابات الآخرين، وتعليق الحياة اليومية على وهم أن الغد سيصلح ما أفسده الأمس. من هنا، تفرض ذكرى الحرب الأهلية سؤالًا بالغ الوضوح والقسوة: هل يمكن أن يكون بعض الأمل، حين يصبح مستحيلاً، شكلًا من أشكال العنف؟
ليس لأن الأمل في ذاته شر، بل لأن الأمل حين يتحول إلى عقيدة تمنع المراجعة، يصبح وسيلة لإدامة الألم. وحين يصبح الوعد بالخلاص ذريعة لتعليق حياة الناس، فإنه يفقد معناه الأخلاقي ويتحول إلى بنية استنزاف. لبنان يحتاج اليوم إلى شجاعة من نوع مختلف هي شجاعة الاعتراف بحدود الممكن. وهذه ليست دعوة إلى الاستسلام، بل إلى التحرر من الوهم. فهناك فرق جوهري بين اليأس كاستسلام، واليأس كتحرر من السراب.
في حياة الأفراد، قد يكون اليأس أحيانًا فعل نجاة، هي لحظة يتوقف فيها الإنسان عن مطاردة ما يستنزفه، ليعود إلى ما تبقى قابلاً للحياة. وفي حياة الأوطان، هناك لحظات مشابهة، يصبح فيها التخلي عن الوهم شرطًا لبداية الإنقاذ.
لبنان اليوم يحتاج إلى هذا النوع من اليأس المنقذ من ألم الانتظار القاتل. هو ليس يأس السقوط، بل يأس من الأوهام الكبرى. يأس من فكرة أن البلد يمكن أن يعيش إلى ما لا نهاية كملحق بحروب الآخرين. يأس من وهم أن السلاح خارج الدولة يمكن أن يبني حماية دائمة. يأس من وهم أن طائفة يمكن أن تنتصر نهائيًا، أو أن جماعة يمكن أن تُقصى من دون أن ينفجر البلد من جديد.
هذا اليأس المنقذ يبدأ أولًا باستعادة معنى الدولة، لا كشعار، بل كمرجعية وحيدة لقرار الحرب والسلم. ويبدأ ثانيًا بمصارحة وطنية شجاعة تعترف بأن جميع اللبنانيين كانوا، بدرجات مختلفة، ضحايا هذه البنية، أي ضحايا الحرب، وضحايا الانتظار، وضحايا الأوهام المتوارثة.
ويبدأ ثالثًا بإنتاج لغة سياسية جديدة لا تقوم على إذلال أحد، ولا على تحميل جماعة بعينها كل الخراب. لأن السلام في لبنان لا يبنى بالغلبة، بل بالاعتراف المتبادل بالهشاشة المشتركة.
في ذكرى الحرب الأهلية، لا يحتاج اللبنانيون إلى خطاب حنين أو بكاء على الأطلال، بل إلى شجاعة الحقيقة هي أن هذا البلد لا يحتمل انتصارات نهائية، ولا يحتمل أحلامًا مطلقة، ولا يحتمل أن يبقى رهينة ذاكرة الحرب ووهم الخلاص في آن. الخلاص الحقيقي لا يبدأ حين ينتصر طرف، بل حين يدرك الجميع أن استمرار الدوران في الحلقة نفسها صار شكلًا من أشكال الهزيمة. وأن الشجاعة الوطنية الكبرى، بعد خمسين عامًا من الحرب، ليست في الذهاب إلى المعركة، بل في امتلاك الجرأة على الخروج منها.
فبعض الأحلام، حين تستحيل، لا يعود الإصرار عليها بطولة، بل يتحول إلى جريمة. وبعض أشكال اليأس، حين تكون اعترافًا بالحقيقة، لا تكون سقوطًا، بل بداية نجاة.
The post ذكرى 13 نيسان: الأمل المستحيل بالنصر أداة لإدامة الألم appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





