ثقافة الاستحقاق السريع
نعيش اليوم مفارقة لافتة، فكلما اتسعت مساحة التعبير، تقلص عمق المعنى. فلم يسبق للبشر أن امتلكوا هذا القدر من المنابر المفتوحة، ولا هذا الحجم من القدرة على التعليق الفوري على كل شيء، ومع ذلك، يتنامى شعور خفي بأن الكلام لم يعد يغيّر بقدر ما يستهلك. ونحن أمام تضخم خطابي غير مسبوق يقابله تراجع ملموس في الفعل، حتى أصبح الرأي بديلا عن المبادرة، والتعليق شكلا من أشكال المشاركة الوهمية.
لقد تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة دائمة للنقاش، تصاغ فيها المواقف بسرعة، وتختزل القضايا المعقدة في جمل قصيرة قابلة للمشاركة. وهذا التسارع أنتج وهما خطيرا، أن امتلاك موقف معلن يعادل القيام بعمل. ويكفي أن ندين، أن نسخر، أن نتحمس، حتى نشعر أننا أدينا دورنا الأخلاقي كاملا. وهكذا تنشأ طبقة جديدة من الفاعلين بالكلام، الذين يكتفون بإدارة المعارك الرمزية دون أن يغادروا مقاعدهم.
وهذا التحول لم يأت من فراغ، فاقتصاد المنصات قائم على إثارة التفاعل لا على إنتاج الحلول. الخوارزميات تكافئ الصوت الأعلى، لا الفعل الأهدأ. ومع تكرار هذا النمط، يتشكل وعي جمعي يربط التأثير بالانتشار، لا بالنتائج. فيصبح الهدف هو تصدر النقاش، لا معالجة موضوعه. وتتحول القضايا العامة إلى مواسم عابرة من الضجيج، تبدأ بعاصفة من التعليقات وتنتهي بصمت سريع، دون أثر يذكر في الواقع.
والأخطر من ذلك أن هذا التضخم الخطابي يعيد تشكيل علاقتنا بالمسؤولية. فبدل أن نسأل: ماذا يمكن أن أفعل؟ نكتفي بسؤال: ماذا سأقول؟ وهنا يحدث الانزياح، إذ يتراجع الفعل لأنه يتطلب وقتا، التزاما، وتحمّل تبعات، بينما يمنحنا الكلام مكافأة فورية في شكل إعجاب أو مشاركة. وهكذا يستبدل الجهد بالتعبير، ويختزل الالتزام في إعلان موقف.
وعلى المستوى النفسي، يخلق هذا المناخ شعورا زائفا بالإنجاز. فكل تفاعل يمنح دفعة عابرة من الرضا، توهمنا بأننا جزء من حدث أكبر، بينما يظل الواقع على حاله. ومع تراكم هذه اللحظات القصيرة، يتعزز نمط من الاستهلاك العاطفي للقضايا، نتحمس اليوم، نغضب غدا، ثم ننتقل إلى موضوع جديد دون أن نمنح أي قضية الزمن الكافي للنضج والعمل.
غير أن المشكلة ليست في التعبير ذاته، فالكلمة كانت دائما بداية الفعل، لكن حين تنفصل الكلمة عن أي أفق عملي، تتحول إلى دائرة مغلقة تدور داخلها المجتمعات بلا تقدم حقيقي. ولا يكمن التحدي الراهن في تقليص مساحة الكلام، ولكن في إعادة وصلها بالفعل، في أن يصبح الرأي مدخلا إلى مبادرة، لا بديلا عنها.
إن زمننا لا يعاني من نقص في الأصوات، ولكن من قلة الأفعال الصامتة التي تبني بهدوء. وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ليس، ما موقفنا؟ بل: ما أثرنا؟ ففي عالم يتكاثر فيه الكلام بسرعة الضوء، يبقى الفعل وحده هو الذي يترك ظلا ثابتا على الأرض.
The post ثقافة الاستحقاق السريع appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.





