ذاكرتُنا والمطر
الصحوة – سعاد الوهيبية
للمطر في الذاكرة العُمانية حضورٌ يتجاوز كونه ظاهرةً طبيعية؛ فهو مرتبطٌ بالمشاعر اليومية، وباللغة المتداولة بين الناس، وبصورٍ بقيت حيّةً في الوجدان الشعبي عبر السنوات، وقد حضر المطر في الثقافة الشعبية العُمانية في العبارات التي يستقبل بها الناس الغيث، وفي الأهازيج والأغاني، وفي الأمثال التي اختزلت معاني الخير والبركة والرزق.
وعندما تلوح الغيوم في السماء، كانت تتردد على ألسنة الناس عباراتٌ تعبّر عن التبشير والرجاء، مثل: “الغيم يحوم والرب رحوم”، وهي عبارة تختصر الأمل بنزول المطر وما يحمله من رحمة، كما يتبادل الناس عند نزول الغيث قولهم: “مبروك عليكم الرحمة”، في إشارة إلى أن المطر ارتبط في الوعي الشعبي بالخير والبركة، ومن التعابير المتداولة أيضًا إطلاق اسم “الرحمة” على المطر نفسه، وهو ما يكشف عن مكانته في الحياة اليومية وفي نظرة الناس إليه.
ولم تقف علاقة الناس بالمطر عند حدود التعبير اللفظي، بل امتدت إلى تسمية أنواعه وصفاته بألفاظ شعبية دقيقة. فالمطر المصحوب بالرعد يسمى “المطر مرعد”، والمطر المصحوب بالبرد يسمى “بسيل بو حصى”، أما الرذاذ الخفيف فيسمى “بخاخ” أو “النفاف”، وإذا ازداد قليلًا سُمّي “رشاش”، إذ تكشف هذه التسميات عن قرب الإنسان العُماني من تفاصيل الطبيعة، وعن حسٍّ لغويٍّ تشكّل من الملاحظة والمعايشة.
وكان المطر حاضرًا كذلك في الأهازيج والأغاني الشعبية، حيث ارتبطت مواسمه بفرحٍ عفويٍّ وبكلماتٍ ظلّت محفوظة في الذاكرة، ومن ذلك ما يتردد في الوجدان الشعبي مثل: “سيل سيل سيليه”، وكذلك ما جاء في الغناء الشعبي المرتبط بالمطر والسيل: “الله بالسيل يا ربي، تسقي المزناج والسيدي”، وتحمل هذه الكلمات صورةً حيّةً لعلاقة الناس بالمطر، بما فيها من رجاءٍ بالخير، وفرحٍ بالغيث، واستحضارٍ لمشهد الماء في البيئة العُمانية.
كما حضرت صورة المطر في الأمثال الشعبية التي اختزلت خبرة الناس بالحياة والطبيعة والرزق. ومن الأمثال الواردة في هذا السياق: “من حبه الله سقاه”، و”غريق الماء، ولا غريق الظمأ”، و”اسكن على الماي ولا تسأل عن الرزق”، و”قطرة، وقطرة تصير وادي”، و”مطر ما يبلك ما يهمك”، وتُظهر هذه الأمثال كيف ارتبط المطر في المخيال الشعبي بمعاني الرحمة، والكفاية، والصبر، والمنفعة، والحكمة المستخلصة من التجربة اليومية.
إن استعادة المطر في الذاكرة العُمانية ليست استعادةً لمشهدٍ مناخيٍّ عابر، بل هي استعادةٌ لعالمٍ كامل من الكلمات والمشاعر والعلاقات التي نشأت حوله، فكل عبارة، وأهزوجة، ومثلٍ شعبي، تحمل أثرًا من حياة الناس، وطريقتهم في استقبال الغيث، وفهمهم لمعاني الخير والبركة، ولهذا يبقى المطر في عُمان حاضرًا في الوجدان، بوصفه جزءًا من الثقافة والذاكرة والحياة.




