ذاكرة السمكة… ووهم النسيان.
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
بقلم المحامي حسين احمد عطاالله الضمور كثيرون يتظاهرون بامتلاك “ذاكرة السمكة”، لا لأنهم فقدوا القدرة على تذكّر الماضي، بل لأنهم يتمنّون أن يفقد الآخرون القدرة على استحضاره، يعتقدون أن مرور الزمن كافٍ لإطفاء آثار الأفعال، وأن السنوات قادرة على دفن الوقائع مهما كانت واضحة، فيراهنون على تعب الذاكرة، وعلى انشغال الناس، وعلى تراكم الأيام فوق الأخطاء حتى تختفي معالمها، لكنهم ينسون أن الزمن لا يمحو كل شيء، بل يضعه أحياناً في حالة سكون مؤقت، كجمرٍ خافتٍ تحت الرماد، لا يحتاج إلا نفخة صغيرة ليشتعل من جديد، فالذاكرة الإنسانية ليست مخزناً للأحداث فحسب، بل كائن حيّ يتنفس في أعماقنا، قد تنام التفاصيل سنوات طويلة، ثم تستيقظ فجأة على صوتٍ مألوف، أو صورةٍ عابرة، أو رائحةٍ قديمة، أو موقفٍ يشبه ما مضى، عندها تعود الذكريات بكل ما فيها من مشاعر وألوان وأصوات، وكأن الزمن لم يمرّ عليها يوماً واحداً. ولعل أكثر ما يخطئ فيه البعض هو ظنّهم أن الحقيقة تموت إذا توقّف الناس عن الحديث عنها ، فالحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تبقى حيّة، بل يكفي أن تستقر في ذاكرة واحدة صادقة حتى تظل قابلة للعودة في أي لحظة ،وما يُدفن في الصمت لا يعني أنه اندثر، بل ربما يكون في انتظار اللحظة التي يُرفع فيها الغطاء عنه، إن الإنسان قد ينسى التواريخ والأرقام، وقد تختلط عليه التفاصيل، لكنه نادراً ما ينسى الأثر ، فالجراح تتذكّر، والمواقف تتذكّر، والقلوب تتذكّر، وحتى الأماكن تحتفظ أحياناً بظلال من مرّوا بها ، لذلك فإن الرهان على النسيان الجماعي ليس سوى محاولة لتأجيل مواجهة الحقيقة، لا أكثر. وما أشبه الذاكرة بالبحر؛ قد يبدو سطحه هادئاً ساكناً، لكن في أعماقه حكايات...





