ذاكرة الحرب: الكتابة فيما بعد
زهير الجزائري
2-1
في حياتي غطيت تسعة حروب. غطيت كلمة مخففة، لأنني ولدت في الحرب العالمية الثانية وبدأت وعشت الحروب وأنا في منتصف العشرينات من عمري. الحروب دخلت عميقاّ في ذاكرتي وشكلت ثلث كوابيسي: أفزّ وأنا أركض هارباّ من قذائفها و أستيقظ وأنا ألهث فأفاجأ بأن زوجتي نائمة بجانبي غارقة في نوم عميق:
-كنت تصرخ؟
لن أروي لها كوابيسي. تعرفها.
مامن تعبير لفعالية النفس ورنشاطها إلا و يظهر في الحلم يجزم (أريك فروم) في كتابه عن الحكايات و الأساطير والأحلام. هذا القول ينطبق عليّ تماماّ. كل الخوف الذي أقاومه يداهمني في أحلامي. النوم يحررني من العمل. أغادر متطلبات عالمي الخارجي وأذهب إلى القطب الآخر من الحياة فيه أرى ذاتي كما هي. أراني انقذف عالياّ بفعل انفجار ثم أهبط بطيئا مثل ريشه فاعرف أنني متّ.
لم أكن يوماّ مقاتلاّ في الحرب، إنما وجدت نفسي فيها، وفي لجّة مخاطرهاّ.
أقرأ هذه المقطوعةّ من ( دفاتر الحرب) كتبها الدكتور (أحمد مشتت) بعد فأرى كم هي الحرب قريبة من الذاكرة :
الباب، خلف الباب
خلف الباب
هل سأدخل؟
أم أنني أعيد الانتظار؟
تدخل الحرب قبلي.
كلما قررت أن أتوقف عن الكتابة عن الحرب،
تطرق بابي بقوةٍ وصلابة.
تهز شبابيك بيتي بعصفها الهادر،
تصادر ذاكرتي وتلهو بها كما تشاء.
تأخذ أحبابي،
ترقن قيودهم،
تغتال أحلامي،
وترقد ثقيلةً على قلبي مثل مصفحة.
…
عندما كنت جنديًا مكلفًا
في حروب العراق التي لا تنتهي،
كانت خوذتي هي ذاكرتي،
والثقوب التي نخرتها الشظايا فيها
مواعيدَ مؤجلة مع الموت.
أخي القتيل
من خلال أخي ( ثائر) سأتفهّم الجيل المديني الذي دخل الحرب و كتب عنها. كان قد أنهى دراسته الجامعية في قسم الهندسة المدنية في الجامعة المستنصرية وبدأ تواّ بقصة حب طالبة معه. لم يوف بوعده لها فقد دقت الحرب طبولها و بعد أسبوعين من التدريب أصبح جاهزاّ للمشاركة في المذبحة في قاطع ديزفول. فوجئت بصورتين له، الأولى وهو بزيه العسكري منحن على الأرض يلتقط زهور البابونج الصفراء. لا أدري في أي غلاف قذيفةّ سيجمعها أو على أي جثة أي قتيل سيضعها؟ الصورة الثانية نشرتها جريدة الحزب القائد (الثورة) وهو واقف مع مجموعة بعمره عند دبابة روسية وتحتها عبارة (أبطالنا في ديزفول). لا يبدو ثائر متناسباّ مع بدلة الجندي الفضفاضة التي تلف جسده النحيل. ليس في وجهه غير ابتسامته باهتة. لم يكن واقفاّ بفخر ولا تتناسب رقته مع هذا الكائن الحديدي الذي يحتل الصورة. أقلقتني الصوره حين وصلتني وأنا في الجبهة الأخرى بلبنان. هاجس ما قال لي: هذا قتيل لا محالة. طردت الهاجس قبل أن أتخيله. في الليل جائني ثائر في الكابوس وخيط رقيق من الدم ينزل من أنفه، فزعت وأنا أقدّر بانه لا يعرف دمه النازف. فزعت فاستيقظت وأنا مبلل بالعرق فطمأنت نفسي: هذا مجرد كابوس!
كان أخي ثائر واحداّ من هذا الجيل الذي ألقي في الحرب كقدر لا فرار منه.،جيل مديني لم يسع للبطولة دخل الحرب مرغماّ دون أن يؤمن بإهدافها. مع ذلك فقد عاش الحرب بما فيها من يوميات وتوقعات وأفعال عنيفةّ خلال القصف المتبادل. قتلته شظية كانت تصفر في الفضاء المشؤوم وهي تبحث عن لحم آدميّ لتنغرز فيه. لم يلحق أخي ثائر في روايةّ تجربته،ّلا كتابة ولا شفاها.
ذكريات الحرب بقيت مخزونة بكاملها في ذاكرة من عاشوها تنتظر الزمان الطيب لتكتب بعيدا عن رقابة الرقباء. كل من عاشوها ورأوا أهوالها قاوموا الرغبة بتسجيل يومياتها أو تذكرها فيما بعد. تتكرر الحرب كلما انتهت، حرب تلد أخرى. كما في نفس قصيدة أحمد مشتت:
كلما هربتُ من خندق
دخلتُ في آخر.
أبواب الحرب لا تنتهي.
تدخل بابًا وتظنه الأخير،
فتكتشف أنه بابٌ آخر.
..ثلاثة حروب كبيرةً خلال فترة حكم صدام وبينها حرب داخلية مستمرة مع الأكراد في الجبل، وبعدها حصار جائر دام ١٣ عاماّ انهكً الطبقة الوسطي المعنية بالتذكر و الكتابة.
الحرب العراقية الإيرانية شكلت ذاكرة خاصة عند أجيال من العراقيين. سجلت مرتين: مرة كأدب دعائي خلال الحرب بدعم من النظام نفسه الذي بدأ هذه الحرب. عشرات الكتاب والصحفيين شحنوا عنوة لجبهات الحرب كمجندين أو كمعايشين ليكتبوا يوميات أو روايات و قصص عن الحرب، و عن البطولات بالتحديد. كان هذا ضمن حملة التعبئة المعنوية التي رافقت الحرب منذ بداياتها. و كان هناك اتجاهان يتصارعان، الأول يقول إن الأعمال الكبيرة، والروايات بالتحديد، تظهر بعد الحرب بفترة و يستشهدون برواية الحرب والسلام لتولستوي التي ظهرت بعد الحدث بأكثر من سبعين عاماّ.
يقابله اتجاه مستعجل يقول بأن هناك دم يجري على الجبهات والدم عجول لا ينتظر…
الاتجاه الثاني هو الذي ساد حيث شهدت أيام الحرب ضخّا غير مسبوق من الأعمال الروائية والقصصية تحت عنوان (أدب القادسيةّ) الشعر، والعمودي بالتحديد، هو الغالب مقتديا بقصيدةّ أبي تمام:
السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب.
إلى جانب الشعر وبعده ياتي السرد القصصي حيث يقدر البعض صدور ٢٤٨ رواية ومجموعة قصصية تحت عنوان ( أدب القادسية). ليس في نيتي الآن تقييم هذا النتاج الغزير، لكنني وجدت فيه سمات عامة مشتركة: التغزل بالحرب بصفتها مطهّر خلقي و مدرسة بطولة للأجيال التي خاضتها، تُخرج الأفراد من ضعفهم و من مصالحهم الذاتية إلى التفكير بكرامة الوطن. أندماج الجندي الفرد في الهجوم الجماعي الذي ينسيه تردداته، هناك ولادة خلال الموت، زوجة الجندي القتيل ستلد لحظة استشهاد زوجها، تجميل الموت من خلال الحديث عن جماليات الشهادة خلال صعود روحه للسماء. لا يظهر (العدو) في قصص وروايات القادسية ككائن إنساني حتى في حالات التقرب حد الاشتباك المباشر، الكراهية بصفتها المطلقة تغطي صورة العدو، لا نراه إلا كجثة متعفنة يغطيها الدود. أو نعرف عنه بالصفة اللفظية ( الفارسي المجوسي).
الكتابة لاحقاّ
«سرديات الحرب استبطانية بطبيعتها" يقول (صموئيل هاينز) في كتابه ( حكاية الجند ترجمة فلاح رحيم). لإدراك التغيرات التي أحدثتها الحرب لابد من مرور الوقت لتأسيس مسافة فاصلة عن الذات المستعادة، وليس من المستغرب أن مذكرات الحرب تأتي في وقت متأخر من الحياة، وأن الذاكرة تبطئ و تتأخر».
وهذا ما سأفعله لأرى كيف تفعل ذاكرة الحرب في اشخاص عاشوها. لن أقيم هذه الأعمال الأدبيه، هذا ليس مجال اهتمامي الآن، أنا اتتبع الذاكرة و حسب، كيف تعمل: كيف تتذكر؟ وكيف تسجل. أغلب الشهادات التي سأتناول كتبت متأخرة، كما توقع هاينز، بعد أكثر من عشرين عاماّ من التجربة الحية. هناك استثناءات من يوميات كتبت خلال الحرب. يبدأ القصف والكاتب منغمر بيوميات، فيترك القلم والدفتر ويدخل في جو الأفعال، والحرب سلسلة من أفعال يشكل القتال صنف منها، هناك المخابرة والتموين وتهيئة الذخيرة ونقل الجرحى …
سرديةّ الحرب ليست تأريخاّ، التاريخ يتحدث عن الدوافع السياسية والاقتصادية للحرب، عن المسار السياسي والمعارك الكبيرة، عن الانتصارات والهزائم بالمجمل، عن الاستراتيجيات ويخلصون إلى استنتاجات، أي انهم يصنعون من فوضى الحرب نظاماّ. السيرة الشخصية لكاتب الحرب تبقى محدودة بتجربته الشخصية. حاول الكاتب (معد فياض) في شهادته (خوذة مثقوبة) أن يجمع الإثنين، بين المؤرخ و كاتب السيرة الذاتية، فتاه وتيّهنا. أقرأ شهادته فأتيه بين المؤرخ و السيرة الذاتية لرجل عاش التجربة بلحمه ودمه. أدير ظهري للتاريخ وأرقامه و أحكامه وأتجه للشهادة بما فيها من تفصيل تريني كيف تجرى الحرب نفسها على أرض الواقع. يكتب المؤرخ بلغة باته عارفاّ بما مضى وبما سيأتي وقد كتب التاريخ البارد بمعزل عنه. بينما يكتب سارد اليوميات بإيقاع الحدث نفسه، ما رآه بعينيه وما أحس به وهو هناك.
The post ذاكرة الحرب: الكتابة فيما بعد appeared first on جريدة المدى.




