
المركز الفلسطيني للإعلام
«ماما.. هاي رجلي بالسماء صح؟ روحي جيبيني إياها.. بدي أركبها عشان أطلع أمشي».. بهذه الكلمات تختصر رشا ضبان، أم الطفلة جمالات ضبان، وجعا لا تستطيع الكلمات أن تحيط به؛ وجع أم ترى طفلتها الصغيرة تبحث بعينيها عن ساقها المبتورة، وتنتظر أن تعود إليها كما كانت، لتجري وتلعب وتعيش طفولتها مثل بقية أطفال العالم.
في غزة، لم تعد حرب الإبادة الإسرائيلية تترك خلفها البيوت المهدمة والوجوه المكلومة فقط، بل أخذت من أطفالها أجزاء من أجسادهم، وتركتهم أمام حياة جديدة لم يختاروها، وبين هؤلاء تقف جمالات ضبان، ذات الأعوام الثلاثة، طفلة صغيرة تنتظر تركيب طرف صناعي بعد أن بتر قصف إسرائيلي ساقها شمال قطاع غزة، بينما تنتظر عائلتها فرصة تمنحها شيئا من طفولتها التي سرقتها الحرب.

لحظة انقلب فيها كل شيء
يستعيد والدها علاء ضبان اللحظة التي تحولت فيها حياة أسرته إلى صدمة مفتوحة على الألم، حين استهدف قصف إسرائيلي المكان القريب من الخيمة التي كانت الأسرة تقيم فيها.
ويقول الأب إن الإصابة طالت زوجته وابنته، وإن شظية أصابت جمالات مباشرة، لتبتر ساقها، مشيرا إلى أنه لم يستوعب في اللحظة الأولى ما حدث، قبل أن يراها مصابة ويحاول الوصول إليها وإنقاذها.
ويصف المشهد بأنه كان صدمة لا يمكن أن ينساها، بعدما وجد ابنته الصغيرة وقد فقدت ساقها، فيما كانت هي، رغم ألمها، لا تفكر إلا في العودة إلى المشي.
ويقول إن جمالات كانت تردد عليه: «يا بابا، أنا بدي أمشي.. بدي أرجع زي العروسة»، في أمنية طفولية بسيطة تختصر كل ما حرمها منه القصف: أن تمشي، وأن تعود إلى حياتها، وأن تكون سعيدة مثل الأطفال الآخرين.

«ماما.. بدي رجلي»
وتقول الأم رشا ضبان: إن الأسرة كانت تجلس داخل الخيمة عندما وقع القصف، فأصيبت هي وزوجها وابنتهما، وكانت إصابة جمالات الأقسى، بعدما تسببت شظية في بتر ساقها.
وتحاول الأم أن تصف مشهد طفلة في الثالثة ترى ساقها مبتورة، لكنها تجد الكلمات عاجزة عن حمل قسوة الصورة، مؤكدة أن أصعب ما تعيشه ليس فقط ألم الإصابة، وإنما الأسئلة التي تطرحها ابنتها الصغيرة كل يوم.
وتقول إن جمالات تنظر أحيانا إلى السماء وتسألها: «ماما هاي رجلي بالسماء صح؟»، ثم تطلب منها أن تذهب وتحضرها كي تركبها وتعود إلى المشي.
وتضيف الأم أن طفلتها لا تزال تفكر بعقل طفلة لم تفهم بعد معنى فقدان أحد أطراف جسدها، فتسألها إن كانت تحبها، ثم تعود لتطلب منها ساقها، في مشهد يترك الأم غارقة في البكاء والعجز.
وتقول رشا إن أكثر ما تتمناه هو أن تحصل ابنتها على طرف صناعي، وأن تتلقى العلاج الذي تحتاجه، حتى تستطيع أن تمشي وتلعب وتكتشف الحياة كما يفعل الأطفال في عمرها.

طفولة معلقة على طرف صناعي
في الثالثة من عمرها، كان يفترض أن تكون جمالات في أكثر مراحل طفولتها امتلاء بالحركة؛ تركض خلف الأطفال، تلهو، تكتشف الأشياء من حولها، وتسقط ثم تنهض لتواصل اللعب.
لكن الحرب جعلت أبسط تفاصيل الطفولة حلما مؤجلا.
وتعيش جمالات اليوم في خيمة، تحمل آثار إصابة سترافقها طويلا، وتنتظر طرفا صناعيا يمكن أن يعيد إليها شيئا من قدرتها على الحركة والاستقلال. وبين الخيمة والطرف الصناعي مسافة أخرى من الألم، تتمثل في صعوبة الوصول إلى خدمات التأهيل والأجهزة المساعدة في قطاع صحي أنهكته الحرب.
وتقول والدتها إن طفلتها تريد أن تعود إلى اللعب مع الأطفال الآخرين، وإن تركيب الطرف الصناعي بالنسبة إليها ليس مجرد علاج، بل فرصة لتستعيد جزءا من حياتها وأحلامها.
وتناشد الأم أصحاب الضمائر والمؤسسات المعنية النظر إلى طفلتها بعين الرحمة، ومساعدتها على تلقي العلاج وتركيب الطرف الصناعي، مؤكدة أن جمالات ما تزال صغيرة، وأن من حقها أن تعيش طفولتها وأن تحقق أحلامها مثل سائر أطفال العالم.

جمالات واحدة من آلاف الحكايات
ولا تقف مأساة جمالات عند حدود قصتها الفردية، فهي واحدة من آلاف المصابين في غزة الذين تغيرت حياتهم بفقدان أطرافهم خلال الحرب، في وقت تعاني فيه خدمات التأهيل والأطراف الصناعية من نقص شديد.
وتكشف حالات مبتوري الأطراف في القطاع عن مأساة إنسانية ممتدة، فالإصابة لا تنتهي بانتهاء عملية البتر، وإنما تبدأ بعدها رحلة طويلة من العلاج والتأهيل والتكيف النفسي والجسدي، وصولا إلى الحصول على طرف صناعي يساعد المصاب على استعادة قدرته على الحركة وممارسة حياته.
وتزداد قسوة هذه المعاناة عندما يكون المصاب طفلا، إذ لا يفقد جزءا من جسده فحسب، وإنما يجد نفسه مضطرا إلى إعادة تعلم أبسط تفاصيل الحياة في عمر كان يفترض أن يقضيه في اللعب واكتشاف العالم.
وفي غزة، حيث تتراكم احتياجات الجرحى والمصابين، يواجه مبتورو الأطراف تحديات مضاعفة تتعلق بنقص الأطراف الصناعية ومستلزمات التأهيل، فضلا عن صعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية المتخصصة.
وبين آلاف الأجساد التي حملت آثار الحرب، تبقى قصة جمالات أكثر من قصة طفلة فقدت ساقها؛ إنها حكاية طفولة تحاول أن تتمسك بالحياة، وأم لا تطلب سوى أن ترى ابنتها واقفة على قدميها من جديد.
جمالات لا تطلب المستحيل.. كل ما تريده ساقا صناعية.. كي تمشي.. كي تركض.. كي تلعب.. كي تعود طفلة.
جدير بالذكر، أنّ أحدث تقديرات منظمة الصحة العالمية، الصادرة في أيار/مايو 2026، تشير إلى تسجيل أكثر من 5 آلاف حالة بتر أطراف نتيجة الإصابات الناجمة عن الحرب، فيما يقدر عدد الإصابات التي خلفت آثارا مغيرة للحياة بنحو 43 ألف حالة، بينها نحو 10 آلاف طفل.
كما جرى تقييم 2277 شخصا من مبتوري الأطراف بين أيلول/سبتمبر 2024 وأيار/مايو 2026، ولم يحصل على أطراف صناعية دائمة سوى 502 منهم، في ظل النقص الحاد في المستلزمات والخدمات المتخصصة.




