تدبير الهوية.. محاولة في القراءة للتجربة المغربية
المصدر: مدار 21 | Source: مدار 21وسط الجلبة والضوضاء داخل محطة القطار، وخزني شخص في ظهري فاستدرت نحوه، رمقته بعيني، فإذا هو رجل ذو لحية كثة على جبهته سمة من أثر السجود، يرتدي لباسا أبيضا ويحمي رأسه بقطعة قماش مربعة مطبوعة من القطن بتصميم شبكي مميز.
كل هذه المعلومات حصلت عليها في ظرف ثلاث ثوان فقط. لكن هل تكفي هذه المعلومات الفردية لتحديد هوية الشخص الذي وخزني؟ إن هذه المعلومات تسم الفرد ولا تسم الشخصية. إن قدرات الإنسان الفكرية قد تحدد الآخر في أقل من ثلاث ثوان، مثلا جنسه: أنثى أو ذكر لونه ، طوله …وهذه كلها معلومات محددة للفرد وليس للشخصية. باعتبار أن الفرد مجموعة من المواصفات الكمية الظاهرة لا تتطلب علاقة عاطفية أو وجدانية أو علاقة التماهي معه، بل تتطلب فقط علاقة إدراك حسي للشكل الخارجي للفرد.
وما يجب التنبيه إليه هو هل هذا الشخص هو “هو”؟ بمعنى هل لفظة “هو” الثانية تعني التماهي مع ذاته ودينه وثقافته وتربيته ؟
إن الهوية باعتبارها آليات لإنتاج السمات المشتركة تسم الشخصية ولا تسم الفرد. لذلك فإن علاقة هذه الشخصية مع الجماعة تساهم في تشكيل التفرد، والانصهار، وبلورة الإحساس المشترك، والوجود، والثبات، والتطابق، ثم التوحيد.
غير أن التوحيد كمساهم في الهوية لا يعني التأحيد، لأن هذا الأخير لا يضمن الحق في الاختلاف بل يمحوه ويطمسه ويقضي على حق الآخر في تمايزه عنا ، وبالتالي يقضي نهائيا على التسامح والتعايش وينتصر فقط لمبدأ التلاحم.
تنطلق الهوية في مشمولاتها من الشخص لتنسحب عن الجماعة، وتنطلق أساسا من العاطفة كمكون رئيسي في صيرورة الهوية .فالعاطفة ،أوالطاقة المتحركة، لا تتجاوز خمس ثوان كإحساس أولي ، وتتجلى حسب علماء السلوك في عاطفة الفرح، عاطفة الخوف، عاطفة الاشمئزاز، عاطفة المفاجأة، وأخيرا عاطفة الغضب، .بينما تعتور الإنسان ملايين الأحاسيس.
وإذا استمرت هذه العاطفة أكثر من خمس ثوان تتحول إلى إحساس ، و إذا تجاوزت ساعة تتحول إلى مزاج ، وإذا امتدت هذه العاطفة يوما كاملا فهي ميزة، وإذا استمرت هذه العاطفة أكثر من أسبوع فهي سمة ميزة، لكن إذا استمرت هذه العواطف أكثر من سنة فهي شخصية، أما إذا استمرت هذه العاطفة أو هذه الطاقة المتحركة أكثر من ثلاثين سنة فهنا نتكلم عن الهوية.
فالهوية إذن هي حصيلة عاطفة أو طاقة متحركة معادة أو مكررة بنفس الوتيرة والكثافة والأداء لمدة ثلاثين سنة.
إن الهوية باعتبارها حركات معادة أو بنية عاطفية مستمرة لابد لها من حاملين:
. La culturation : التثاقف و l’acculturation: المثاقفة
فالمثاقفة هيمنة ثقافية للمنهزم على المنتصر كما يعتقد “فرانز فانون” في كتابه “معذبو الأرض Les damnés de la terre ” ، أو للمغلوب على الغالب كما يعتقد ابن خلدون ، أو هيمنة الرابح على الخاسر winners and losers كما يعتقد “ روبيرت ماكنامرا” وزير الدفاع الأمريكي السابق (1961-1968) . هذه الهيمنة تؤدي لا محالة إلى الاستلاب l’Aliénation أو الاغتراب، وهنا يسقط المجتمع برمته في المحاكاة بدل الإبداع الخلاق.
أما التثاقف فهو تفاعل ثقافي صحي يفضي إلى الانصهار وإحداث هوية منسجمة ومتناغمة بين كلتا الثقافتين.
ولا تتبلور الهوية إلا داخل حضارة تنتج معنى و تنتج حكمة، لأن كل حضارة لا تنتج معنى وحكمة ومعرفة مآلها الزوال والانهيار، ولعل التاريخ يعج بالأمثلة (حضارتي الأزتيك والأنكا…).
لعل ما يسم الحضارة المغربية هو إنتاجها للمعنى والمعرفة والحكمة، لاسيما في التعامل وتدبير التنوع الهوياتي داخل البنية المجتمعية المغربية. ويعتبر تاريخ 17 أكتوبر 2001 يوما تأسيسيا في إنتاج الحكمة في التعامل مع مكونات الهوية المغربية، حين ألقى صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله وأيده خطابا في أجدير بإقليم الخنيفرة، مؤكدا فيه أن الأمازيغية مكون أساسي للثقافة المغربية، و أسس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. وبفضل رؤيته الثاقبة في مسألة تدبير مكونات الهوية المغربية أطلق صاحب الجلالة بتاريخ 1 مارس 2010 القناة الأمازيغية المغربية .
فهذه الرؤية المولوية المستنيرة للعاهل المغربي التي ترتكز على المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة تم تنزيلها في ديباجة دستور 2011 حينما نص على أن: “المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية الموحدة بانصهار كل مكوناتها العربية الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية والحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوإ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها وذلك في ظل تشبت الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء” .
إن دسترة تدبير التنوع الهوياتي، هو انعكاس للعبقرية والذهنية المتنورة لأمير المؤمنين، هذه العبقرية الفذة والذهنية الخلاقة قدمتا إجابة شافية وكافية على لغز المجتمع بكيفية قطعية، باعتبار أن الدستور ليس فقط وثيقة قانونية وإنما هو مزيج من الأفكار والمواقف وأنماط السلوك النابع من عقلية متنورة واستباقية للتعامل مع المكونات الهوياتية للمملكة المغربية الشريفة .
وضمن المقاربة السديدة والمتنورة للملك محمد السادس أمير المؤمنين أقر بتاريخ 3ماي2023 على أن يوم 14 يناير من كل سنة عطلة وطنية رسمية مدفوعة الأجر للاحتفال برأس السنة الأمازيغية .
إن المقاربة التدبيرية لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لمكونات الهوية المغربية ساهمت في تشييد وبلورة آليات اشتغال ناجعة وفعالة استطاعت إرساء وتقوية دعائم مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة.
باحث في العلوم السياسية-
ظهرت المقالة تدبير الهوية.. محاولة في القراءة للتجربة المغربية أولاً على مدار21.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة مدار 21. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by مدار 21. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





