تبصرات محمد باقر الصدر المعرفية حول طرائق الاستدلال
أحمد الناجي
يمثل السيد محمد باقر الصدر (1935-1980) أحد أبرز المفكرين العراقيين المعاصرين خلال القرن العشرين، ومن الرواد الأوائل الذين سبروا أغوار توجيه الفكر بجرأة وبصيرة، إذ يعدّ صاحب مشروع ثقافي إسلامي متكامل، وسنسعى في هذه الوقفة الموجزة الى إضاءة فحوى المضامين العميقة التي تضمنها كتابه (الأسس المنطقية للاستقراء)، الذي صدرت طبعته الأولى عن دار الفكر في بيروت سنة 1391هـ/1972م. مع تبيان قيمته الفكرية ودوره الريادي، وما انطوى عليه من رؤى وتأملات في هذا الحقل المعرفي المعني بآليات توجيه الفكر وضبط مناهجه، وهو منحى يحتل مكانة بالغة الأهمية على الصعيد الثقافي بعامة، وعلى صعيد الفكر الإسلامي بخاصة، لما ينطوي عليه من إشراق فكري أصيل يجمع بين عمق الفلسفة وروح الإيمان.
لقد جاء كتاب (الأسس المنطقية للاستقراء) ليشكل محطة فكرية استثنائية في مسيرة السيد الصدر، حيث سعى من خلال هذا العمل الفريد الى أن يقدم تصوراً مغايراً عن كيفية تشكل المعرفة الإنسانية، مؤكداً أن الإيمان والعقل ليسا خطين متوازيين، بل مساران يلتقيان في عمق الحقيقة الواحدة. وتضمن ذلك النتاج المعرفي، تنظيرات هذا المفكر الإسلامي الكبير وتأملاته العميقة في منحى المنطق، تلك التي لخص جوهرها بقوله: "ونحن في هذا الكتاب إذ نحاول إعادة بناء نظرية المعرفة على أساس معين، ودراسة نقاطها الأساسية في ضوء يختلف عما تقدم في كتاب فلسفتنا، سوف نتخذ من دراسة الدليل الاستقرائي، ومعالجة تلك الثغرة فيه أساساً لمحاولتنا هذه". (الأسس المنطقية للاستقراء، ص ص7-8) وقد استطاع السيد الصدر بما امتلكه من عقل متفتح ووعي ثاقب، وما تميز به من جرأة واستقلال فكري أن يتحرر من المهيمنات الفكرية المتوارثة، وينفتح على آفاق أرحب، بعيداً عن المحاكاة والتقليد، كما تصدى بعمق معارفه وسعة ثقافته، لقراءة النظريات الحديثة، سواء تلك المتصلة بصميم موضوع الاستقراء، أم ما جاورها من مضامين في ميادين الفكر والعلوم المختلفة.
قدم السيد محمد باقر الصدر دراسة معمقة حول نظرية المعرفة، اجتهد فيها بالكشف عن ماهية المنطق بوصفه أداة لتوجيه الفكر وضبط مساراته، وقد خاض عبر رحلة فكرية طويلة غمار البحث في جذور المذهب العقلي أو المنطق القديم (الأرسطي/ الاستنباطي)، ثم اتجه الى استكشاف المنطق الحديث (التجريبي/ الاستقرائي)، محللاً اتجاهات المناهج المختلفة، ولم يقف عند حدود القراءة التاريخية فحسب، بل سعى الى فتح آفاق واسعة أمام مشروعه الفكري، بما ينسجم مع تطلعات الإنسان المعاصر، ولم يكن تصديه لهذا الجهد الفكري الكبير إلا استجابة واعية لما تفرضه تحولات الواقع وحاجات الناس في حياتهم النوعية، وقد تبين له بعد إخضاع النظريات الكبرى لمعيار النقد، معطيان أساسيان، أولهما: شعوره بقصور المنهج الأرسطي عن الإحاطة بمتغيرات المعرفة الحديثة، لما فيه من اغفال لدور الحس والتجربة، واكتفاء بالاعتماد على الكليات البديهية المجردة، وثانيهما: قناعته الراسخة بأن المنهج الاستقرائي، وإن كان يختزل المعرفة في الحواس وحدها، فأنه لا يتنافى مع الحقائق القرآنية، بل يعد منهجاً معرفياً واعداً، غير أنه يعاني من بعض الثغرات التي تستوجب الاستكمال والتطوير. ومن خلال هذا المسار الفكري، استقر في نظر السيد محمد باقر الصدر عدد من الحقائق التي لا لبس فيها، مؤداها أن المعرفة البشرية لا يمكن أن تحصر بالاعتماد على العقل وحده، كما لا يمكن تحصيلها بالاستناد الى الحس والتجربة فقط، وإذ راح يتتبع مظان هذا المبحث ويغور في أعماقه، توصل في نهاية المطاف الى تصورات رأى من خلالها إمكان تجاوز الثغرات والتخلص من الإشكاليات التي أحاطت بمنهجيات المعرفة. وأفضت تبصراته الى اجتراح (المذهب الذاتي) في نظرية المعرفة، الذي جمع فيه بين العقل والتجربة في بناء المعرفة، متجاوزاً مغبة الاقتصار على أحدهما، ومقدماً رؤية متوازنة توحد بين الذات العارفة وموضوع المعرفة.
قدم السيد محمد باقر الصدر معالجاته في هذا الجانب بوصفها اتجاهاً إسلامياً جديداً في نظرية المعرفة، وكانت في جوهرها طرحاً غير مسبوق في الفكر الإسلامي من حيث تجاوز طرائق الاستنباط القديمة وآليات (المنطق الأرسطي) التقليدية، وقد اقترن هذا المنحى كذلك بتفهم دقيق للنواقص الكامنة في المسالك الحديثة لـ(المنطق التجريبي/ الاستقرائي)، بمعنى أن مراميه انطوت على الارتقاء بطرائق الاستدلال التي لا تفي بتحقيق الحكم القطعي، وذلك من خلال معالجة الاستقراء الناقص عبر جمع أدلة متنوعة، والقفز بالحقيقية الاحتمالية أو الظنية في (المنطق التجريبي/ الاستقرائي) الى مصاف (الحقيقة اليقينية) أو اليقينيات المستغنية عن البرهان، وكان في مبتغاه هذا يسعى الى الارتقاء بالظن، بوصفه نتيجة نسبية في الاستقراء الى مرتبة اليقين الأرسطي، ليستدل بذلك في نهاية المطاف على النتيجة المطلوبة، وإذ يؤسس المنهج الذي أطلق عليه (المذهب الذاتي)، فأنه يروم تحقيق نوع من التوليف والتكامل بين الاتجاهات النظرية المتصارعة فكرياً، حيث تتداخل في رؤيته التوليفية منهجيتان متناقضتان في الظاهر، غير أنهما في العمق تستبطنان عناصر اختلاف وتكامل في آن واحد.
يخط المفكر السيد محمد باقر الصدر في مشروعه المعرفي هذا، مرتسمات جديدة لمسار منهج الاستقراء من خلال فهم توفيقي يقوم على الموائمة بين المنطق الأرسطي والتجريبي، فيمزج بين الاستنباط والاستقراء، ويسير في طريق المعرفة على هدى الحس والعقل معاً، وبذلك يجترح منهجاً يستجيب -الى حد كبير- لمواكبة روح العصر الحديث برؤية أكثر انفتاحاً وواقعية، وفقاً لمتطلبات الفكر الإسلامي، محققاً بذلك تطويراً في طرائق التفكير الفقهي وأساليب الاستدلال، ويسهم أيضاً في تحديث آليات الإفتاء بما ينسجم مع تطورات الحياة الاجتماعية، وصولاً الى الحكم الشرعي.
ولا تفوتنا الإشارة الى أن اشتغالات السيد محمد باقر الصدر ومراجعته الفكرية في هذا الشأن، لم تكن بعيدة عن الاتجاهات والأطر المنهجية التي شغلت اهتمام المختصين في علم الاجتماع خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وخصوصاً في ميدان نظرية المعرفة، التي شهدت ولادة تيارات تنظيرية عدة، بعضها أعاد تقديم الفكر القديم بثوب جديد، غير أن محاولة السيد الصدر الجريئة لم تكن مجرد معالجة فلسفية لمشكلة الاستقراء، بل انطوت على إعادة بناء العلاقة بين العقل والتجربة على أسس جديدة، تجمع بين صرامة المنهج الفلسفي وأسس متينة للإيمان محصنة باليقين.
يجدر بنا أن نبين انطباع الدكتور زكي نجيب محمود صاحب كتاب (المنطق الوضعي، القاهرة، 1951)، حول كتاب (الأسس المنطقية للاستقراء) للسيد محمد باقر الصدر، وقد لخصه بالآتي: "إنه من الكتب التي ينبغي أن تترجم الى اللغة الإنجليزية لتعرف أوروبا أن لدينا فلاسفة أصليين يملكون العمق الفلسفي والفكر المستقل... إن فلاسفة الإنجليز سيقرأون فكراً جديداً إذا أتبح لهم أن يقرأوا ترجمة الأسس المنطقية للاستقراء". وعلى الرغم من مرور فترة ليست قصيرة على مشروع السيد الصدر الفكري، فأن تبصراته تركت أثراً بارزاً في الحقل المعرفي الإسلامي، إذ استطاعت أن تفتح نوافذ جديدة للفكر الإسلامي، وما تزال رؤاه تمثل منطلقاً لإعادة التفكير في مناهج المعرفة وطرائق الاستدلال، وهي تستجيب بروح تجديدية لتحديات الإنسان في عالم تتسارع فيه الأسئلة وتتبدل المفاهيم، لما اتسمت به من عمق فلسفي ووعي منهجي رصين.
The post تبصرات محمد باقر الصدر المعرفية حول طرائق الاستدلال appeared first on جريدة المدى.




