في مساء يوم الزلزال، انتشرت شائعات بين اليابانيين مفادها أن الكوريين المقيمين في البلاد استغلوا الكارثة للانتقام من عسف واضطهاد المحتلين اليابانيين لهم، كما زعمت روايات أخرى أن عصابات من قطاع الطرق الكوريين أشعلت حرائق ونهبت متاجر ومنازل، وسمّمت آبارًا، وقتلت نساء وأطفالا، بل ونظّمت هجمات تخريبية على ما تبقى من العاصمة.
لتمييز الكوريين عن اليابانيين، استخدمت تلك الجماعات أسلوبا يُعرف باسم "الرمز"، حيث أُجبر المشتبه بهم على نطق أصوات يابانية معينة، لاعتقادهم أن الكوريين يجدون صعوبة في نطقها. وكان القتل على الفور هو مصير من يفشل في هذا الاختبار المفاجئ.
أصبحت هذه الأحداث الدامية تُعرف باسم "مذبحة كانتو"، وقد قُتل خلالها ما بين أربعة آلاف وعشرة آلاف كوري على مدى ثلاثة أسابيع، فيما أنكرت الحكومة اليابانية حينها المذبحة، وادعت أن عدد الضحايا بلغ خمسة أشخاص فقط. في أوقات لاحقة، ذكر العديد من المؤرخين الكوريين أن الحكومة اليابانية آنذاك شجّعت عمدا على قتل المواطنين الكوريين.
يُشار إلى أن كوريا كانت بين عامي 1910 و1945 مستعمرة تحت سيطرة الإمبراطورية اليابانية، وكان العديد من المدنيين اليابانيين ينظرون إلى الكوريين بعين الريبة والشك، وكانوا يعتبرون بمثابة تهديد يقف على عتبة الباب.
بعد مرور أكثر من قرن، لا تزال مذبحة كانتو قضية بالغة الحساسية، وكثيرا ما اتخذت الحكومة اليابانية مواقف غامضة ترفض من حيث الجوهر الاعتراف الكامل بالمذبحة، حيث صرّح بعض المسؤولين بعدم وجود سجلات رسمية لها في الأرشيف الحكومي، كما عبر عن ذلك في أغسطس 2023 كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، هيروكازو ماتسونو.
في المجمل، تباينت تصريحات القادة اليابانيين العلنية، سواء بالاعتراف أو الاعتذار، عن المجزرة. وبالمقابل، يُنتقد هذا الموقف أحيانا، خاصة بعد اكتشاف العديد من الوثائق التاريخية من تلك الفترة، بما في ذلك بعضها ضمن مجموعات الحكومة اليابانية، والتي تُفصّل بوضوح عمليات القتل.
من جانب آخر، تُقام مراسم إحياء ذكرى الضحايا سنويا، وغالبا ما تُنظمها منظمات مدنية، إلا أن المسؤولين الحكوميين يقاطعون هذه الفعاليات أحيانا، ما يُبرز التوترات السياسية المتواصلة حول هذه القضية الشائكة.
هكذا، تركت شائعة كاذبة أعقبتها مجزرة رهيبة جرحا غائرا في العلاقات اليابانية الكورية، لتكون بمثابة تذكير متجدد بالعواقب الوخيمة الناجمة عن نشر المعلومات المضللة وتجريد الآخرين من إنسانيتهم، وخاصة خلال الأزمات الكبرى.
المصدر: RT



