تأملات قرآنية
د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية 40 من سورة البقرة: “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ”.
المتأمل في سورة البقرة يلاحظ أن الله تعالى قد خصص جزءاً كبيرا منها للحديث عن بني اسرائيل وقصصهم، فالآيات الثمانون التي تلي هذه الآية ، والتي استغرقت 16 سفحة تقريبا كانت في هذا الموضوع، هذا يستدعي البحث في مراد الله من ذلك، إذ أن القرآن لا يروي الأحداث بقصد التأريخ، بل لأجل أخذ العبرة منها.
إذاً فهي لأجل أن يتعظ المسلمون بما حدث مع الأمم الغابرة التي أنعم الله عليها بالهداية، لكنهم ما حافظوا على هذه النعمة، فانحرفوا وحرفوا وبدلوا، وهؤلاء ورد ذكرهم في سورة الفاتحة بصفتين: المغضوب عليهم والضالين.
ولو بحثنا في السورة ذاتها سنجد أنها مليئة بالدروس التربوية للمسلمين، وكل أمر خاطب فيه بني اسرائيل أو تحدث عنهم على وجه الذم والتذكير بالمعصية التي اقترفوها، تحدث فيه للمسلمين على وجه المدح أو للحث على الطاعة.
وقد ذكر الدكتور “مستغانمي” أمثلة على ذلك، فمقابل قوله تعالى لبني اسرائيل: “يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ”، يقول في الآية 152 مخاطبا المؤمنين: “فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ”، ففي حين طالب بني اسرائيل بالشكر على النعم، وهو بذلك يصمهم بأنهم نفعيون ماديون، طالب المؤمنين وهم كل من صدق بالرسالة الخاتمة واتبع ما أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بشكر المنعم، لأنه يعلم أنهم مبدئيون، وفي ذلك رفع من قدرهم.
وفي حين طالب بني اسرائيل بما هم مقصرون فيه: “وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ”، يقول في الآية 177 في ذكر مواصفات المؤمنين المتقين: “وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا”.
وقال لبني اسرائيل في الآية 41: “وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ”، فرفضوا وكان ردهم في الآية 91: “قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ”، أما عن المؤمنين فقد قال عنهم تعالى في الآية 4: “وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ”.
كما قال تعالى في الآية 42 مخاطبا بني اسرائيل: “وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ”، في المقابل قال للمسلمين في الآية 159 محذرا إياهم من الوقوع فيما وقعت فيه بنو اسرائيل: “إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ”.
أما في أصول العقيدة ، فقد قال في وصف أفعال بني اسرائيل الذميمة في الآية 153 من سورة النساء: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ”، في حين ذكر من مواصفات المؤمنين المتقين في الآية 3 من سورة البقرة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ”.
هكذا نلاحظ أن هذا العدد الكبير من الايات التي أفردها الله تعالى في ذكر بني اسرائيل وإنعاماته عليهم ليست تكريما لهم، إنما هي لأجل أن ينتفع المسلمون باستذكار الدروس والعبر، فيتجنبوا الوقوع في المهالك التي وقع بها أهل الكتاب.
هذا المحتوى تأملات قرآنية د. هاشم غرايبه ظهر أولاً في سواليف.




