تأملات قرآنية
د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في سورة العصر: ” وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ”.
يعتقد البعض أن ترتيب السور القرآنية جاء اجتهادا من الصحابة حينما جمعوا القرآن في عهد أبي بكر، وأنها رتبت بناء على طولها، لكن ذلك خاطئ، فالترتيب كان توقيفيا، أي من عند الله تعالى، وأوحي الى رسول الله به، فكان عليه الصلاة والسلام يوجه كتبة الوحي الى موضع الآية بين الآيات، وموضع السورة بين السور.
فالقرآن الكريم أنزل كله دفعة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر، لكنه كان يتنزل في روع رسول الله منجما، ومرتبطا بأحداث أجراها الله تعالى لتتناسب مع الموضوع، وقدّرها لأجل أن يستوعبها المؤمنون ويفهموا مراداته، ولذلك لم يكن التنزيل متسلسلا بالترتيب الذي نراه حاليا.
سورة العصر موضوعها الخسر الذي يصيب الانسان بعد توهمه أنه رابح، ملك الدنيا وما فيها، فجات في سياق الخسر، الذي بينته ثلاث سور متتالية.
فجاءت بعد سورة التكاثر التي بينت خسارة الإنسان لفرصة نيل رحمة الله، لأنه التهى بتكثير الأموال والولد والجاه عن اتباع الصراط المستقيم الذي هداه الله اليه، فما انتبه الا والموت يداهمه، ويجد النار مصيره.
وجاءت قبل سورة الهمزة التي تبين خسران من انشغل بتتبع عيوب الآخرين بالهمز واللمز، واستغرق وقته كله في جمع الأموال، ظنا منه أن ذلك هو ما سيؤمن له مستقبله، غافلا عن ذكر الله وطاعته، فهذا سيترك ماله خلفه ومصيره النار.
من مزايا البيان القرآني أن الله تعالى يقسم ببعض مخلوقاته، فجاء قسمه هنا بالعصر، بمعنى الدهر أو بمعنى وقت العصر، وكلا الحالين جائز، فالدهر خير شاهد على ما ذكره، وكذلك وقت العصر، إذ يكون فد مر على المرء أغلب اليوم، ويكون قد كون صورة واضحة عن أحداثه.
ودائما حينما يكون القسم بوقت فإنه يكون متناسبا مع الموضوع، فعندما تحدث عن عاد أقسم بالفجر، لأن عاد كانت أقدم الأقوام بعد الطوفان، لكنه حينما تحدث عن ثمود التي جاءت بعدها أقسم بالشمس وضحاها.
“إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ” تعني ان الانسان واقع في الخسارة ومستغرق فيها، وهذا التعميم جاء لتعدد المناهج المخالفة لمنهج الله وكثرتها: “قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ” [الزمر:15]، فلا ناج إلا من اتصف بأربع صفات مجتمعة، الأولى لازمة وأساسية لا قيمة لما بعدها ان أنقص منها، وأما الثلاثة الأخرى فهي التي تؤهل المرء لنيل رضا خالقه عن عمله، وبمقدار ما أنقص منها كانت خسارته أكبر.
وجاء استخدام لفظة الخسر لتعني عموم جنس الخسارة قلّت أو كثرت، فلم يستخدم تعالى لفظة تخسير التي تعني الخسارة الجزئية، ولا الخسار لأنها تعني الخسارة التامة، ولا لفظة الخسران التي تعني المحصلة العامة للعمل وهي أشد الخسارة، لذلك جاءت في وصف النتيجة النهائية لأعمال الكافرين، وتأتي مقترنة بالمبين لأنها تكون جلية للجميع بعد الحساب.
أما متطلبات الاستثناء من الخسارة فهي:
الأول الإيمان بالله، والذي يرتبط به وجوبا الإيمان بملائكته وكتبه ورسله جميعهم، وبالقدر والبعث ويوم الحساب وبالجنة والنار، هذا الإيمان هو متطلب أساسي لقبول المتطلبات الأخرى، والتكذيب بأي عنصر من عناصره ينقضه.
والثاني متعلق بالجهد الفردي وهو العمل الصالح الذي يقصد به المؤمن وجه الله، وهو ما يثقل الميزان، وترجيح كفة الحسنات، وميدان التأهيل للارتقاء في مراتب الجنة.
الثالث هو فعل مجتمعي إصلاحي تشاركي، وهو يعني عدم اكتفاء المؤمن بنفع نفسه بالإكثار من الأعمال الصالحة، بل يتعدى الى التناصح باتباع منهج الله والالتزام بأوامره وتواهيه، لأنه الحق الذي أنزله الله: “وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ” [الكهف:28].
وأما الرابع فهو تشاركي أيضا وهو التناصح بالصبر على ما سيلقاه المؤمن من عنت وأذى ممن رفضوا اتباع الهدى من ناحية، والصبر على الطاعات وعلى مجاهدة النفس بمغالبة الشهوات التي حرمها الله من الناحية الأخرى، والاقتصار على اتيان ما أحله.
هذا المحتوى تأملات قرآنية ظهر أولاً في سواليف.




