تأملات قرآنية
تأملات قرآنية
د. هاشم غرايبه
يقول تعالى في الآية 21 من سورة النور: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ”.
خلق الله الشهوات مغرية، فيما جعل الطاعة والالتزام بمنهج الله فيه مشقة، لأجل ابتلاء البشر وتمحيص الطائع منهم من العاصي، ولأنه تعالى يعلم أن إبليس ما طلب تأجيل عقوبة الله له الى يوم القيامة، إلا لكي يحاول إغواء بني آدم ليكونوا معه في جهنم: “قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ” [الأعراف:16-17]، لذلك فهو تعالى يحذر بني آدم من اتباع غوايته، لأنه لا يريد بهم الا سوءا.
جاءت هذه الآية في هذا السياق، وتعتبر الأكثر توضيحا وشرحا لأسلوب الشيطان في غواية البشر، وأسمت وسيلته بخطوات الشيطان والتي تتألف من أربعة مراحل، متى ما أطاع الانسان الشيطان في أية مرحلة انتقل الى التي تليها.
الخطوة الأولى تكون في النزغ، ويعني الخاطر السريع بسوء النية لدى للآخر، كأن يتحدث شخص بأمر عام، فيلقي الشيطان في ذهن بعض السامعين شكا بأنه هو المقصود بكلامه، فإن كان من المتقين، يستبعد سوء المقصد ويتجاوز هذه النزغة ولا تترك في نفسه أثرا، ويقطع الطريق على الشيطان.
ولكي يساعد الله الناس على التغلب على نزغات الشيطان، فقد وصف لهم العلاج: “وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” [فصلت:36].
الخطوة الثانية هي الوسوسة، وتعني حديث النفس بغير انفعال، وهي تطور للنزغة التي كانت مجرد معلومة، لكن الوسوسة تحولها الى قاعدة يبنى عليها أفكار أكثر تشعبا وعمقا، مثل أن يحدث المرء نفسه: هذا المتكلم ماذا يظن نفسه، وكيف ينصب نفسه معلما وموجها لغيره.
هذه الخطوة خطيرة لأنه سيبنى عليها تصرفات نحو الآخر مسيئة، مما سيؤدي الى رد فعل سلبي، الأمر الذي سيولد ضغينة ونزاعا، لذلك أنزل الله سورة خاصة لمعالجة هذه الحالة وهي سورة الناس.
الخطوة الثالثة سماها القرآن المس، وهي مرحلة الانفعال وبناء الرد سواء بالفرقة والخصومة مع المتكلم، أو بالإساءة اليه باللسان أو باليد، هذه هي المرحلة التي يستعر فيها الشر ويتوسع، لكن يبقى هنالك مجال للتراجع ان كان المرء من المتقين: “إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ” [الأعراف:201].
الخطوة الرابعة والنهائية هي مرحلة الاستحواذ، وفيها يصبح المرء تابعا مطيعا للشيطان، وينسى ذكر الله ولا يعود بمقدوره العودة عن فعل الشر: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ” [المجادلة:19].
هؤلاء الذين اتبعواالشيطان خطوة فخطوة، من غير أن ينتبهوا سماهم القرآن بأنهم استزلهم الشيطان: “إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا” [آل عمران:155].
اذا تكرر هذا الزلل و أصبح معتادا عليه يصبح هوى، أي ميل إليه، فتستطيبه نفسه، ولا يعود بحاجة الى المرور بالخطوات الأربع، بل ينقاد بسهولة الى أمر الشيطان، إذ يصبح الشيطان آمرا له وهو مطيع، وهذه النتيجة الحتمية لاتباع المرء لخطواته: “فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ”.
قد يتصور الجاهلون أن هنالك صراع بين الله والشيطان، لكنه ليس كذلك، فإرادة الله هي العليا، ولا غالب إلا هو، إنما سخر الشيطان لانفاذ سنة الله في خلقه بالابتلاء والتمحيص، ولأنه تعالى يعلم ضعف النفس البشرية أمام الهوى، فقد جعل التقوى وسيلة النجاة الأكيدة من حبائل الشيطان: “إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ” [الحجر:42].
لذلك فإن فضل الله على الناس بهدايتهم الى صراطه المستقيم عظيم، فهو طوق النجاة الوحيد من غواية الشيطان، ولولاه ما نجا أحد منهم من النار.
هذا المحتوى تأملات قرآنية ظهر أولاً في سواليف.





