“طعمُ الفمِ تُستحي العينُ”
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
وطنا اليوم _ تتلونُ الكلماتُ فتُخفي وجوهَها القبيحةَ خلفَ أقنعةِ المجاملة، فيُسمّونَ الرشوةَ “إكرامية”، ويُلبسونَ الهديةَ ثوبَ العرفِ والتقدير. ويُسمّونَ استنزافَ المالِ العامِ “دعايةً وتسويقًا”، والمالُ أمانةٌ في أعناقِهم، لا مِلْكًا يجودونَ به على من شاؤوا. فإذا نطقَ اللسانُ بالحلاوةِ، استحتِ العينُ من رؤيةِ الحقيقةِ العارية، وأُطعمَ الفمُ كلامًا معسولًا ليتوارى الفعلُ المشينُ خلفَ ستارِ الأدب. أيُّ سحرٍ هذا الذي يجعلُ الحرامَ حلالًا إذا غُيّرَ اسمه؟ وأيُّ عمىً يصيبُ الضميرَ حتى يرى الانحرافَ مهارةً، والتلاعبَ فطنةً، والتغطيةَ ذكاء؟ إنَّ ثقافةَ الفسادِ الإداريِّ أدهى من الفسادِ المالي؛ ذاكَ يسرقُ الدرهم، وهذا يسرقُ الأملَ والعدلَ والثقةَ بينَ الناسِ ودولتِهم. فينشأُ جيلٌ يرى في المحسوبيةِ حقًّا مكتسبًا، وفي استغلالِ المنصبِ شطارةً، وينسى أنَّ كلَّ موظفٍ مؤتمنٌ على ما وُكِّلَ إليه. ولا تُبرّرِ المواقفُ ما لا تُجيزُهُ الشريعةُ، ولا تُسوِّغِ الحاجةُ ما حرّمَهُ الله، فالحرامُ بيّنٌ والحلالُ بيّن، وبينهما مشتبهاتٌ فاتقوها. واعلموا أنَّ اللهَ يقول: *﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾*، فكيف بمالِ الأمةِ يُنهبُ بالمسمياتِ الناعمة؟ وقالَ نبيُّكم ﷺ: *”لعنَ اللهُ الراشيَ والمرتشيَ والرائشَ بينهما”*، فاللعنةُ تلحقُ كلَّ من حرّكِ هذا المستنقعَ ولو بكلمةٍ أو إشارة. فإنَّ من استغلَّ وظيفتَهُ لقضاءِ حاجتِهِ، فقد خانَ الأمانةَ التي عرضتْ على السمواتِ فأبينَ أن يحملنَها وأشفقنَ منها وحملَها الإنسان. إنَّ الأجهزةَ الرقابيةَ لم تُنشأْ زينةً في الهيكلِ الإداري، بل سيفًا على رقبةِ كلِّ متلاعبٍ بالحقِّ العام، فالواجبُ ملاحقةُ هذا الداءِ وتسميتُهُ باسمه. ولا يليقُ أن يُغطّى الفسادُ بعباراتِ “التسهيلاتِ” و”العلاقاتِ العامة”، فالتغطيةُ بالمثاليةِ لا تغسلُ يدًا تلطّختْ، ولا تُطهّرُ ذمةً تثاقلتْ. والتحذيرُ منه واجبٌ على المنابرِ، وفي وسائلِ الإعلامِ، ومدوناتِ السلوكِ الوظيفي، صغيرًا كانَ الموظفُ أم كبيرًا، مغمورًا كانَ أم مرموقًا. فلا...





