سيميائية العنوان والصورة في كتاب نظام التفاهة
#سواليف
سيميائية العنوان والصورة في كتاب نظام التفاهة .
احمد طناش شطناوي / رئيس رابطة الكتاب الأردنيين فرع اربد
.
قبل عامين تقريبا، عندما هممت بقراءة كتاب (نظام التفاهة) للفيلسوف الكندي آلان دونو في نسخته المترجمة للعربية، استوقفتني صورة الغلاف منذ اللحظة الأولى، والتي قد تبدو للوهلة الأولى عملاً بصريًا ذا دلالة جمالية، إلا أن المتخصصين في مجال الصورة والتصميم والإعلان يقرأون صورة الغلاف بشكل مختلف، وحقيقة أن هذه الصورة تشي بمعانٍ ودلالات فلسفية كثيفة.
وإذا ما أردنا أن نتعمق في هذه القراءة ونجعل منها مدخلًا فلسفيًا لفكرة الكتاب نفسه، استنادًا للقاعدة النقدية التي تقول بأن الغلاف هو عتبة الكتاب الأولى التي نعبر منها إلى روحه، فإننا نرى هذه الصورة تشتعل رمزية باختيار سبعة ملاقط غسيل مصطفّة في خط واحد، تتشابه في الشكل والوظيفة، بينما يبرز بينها ملقط أحمر مختلف وسط ستة ملاقط بيضاء.
.
في ظاهر الأمر قد تبدو الصورة بسيطة، لكن بساطتها تخفي سيميائية عميقة؛ إذ إن الملقط في طبيعته الوظيفية ليس أداة إنتاج أو إبداع، حيث يقتصر عمله كأداة تثبيت وتعليق، أي إنه لا يملك قيمة مستقلة بذاته، ولكنه يستمد وظيفته من خدمة شيء آخر؛ ومن هذا المنطلق تبدأ الفلسفة البصرية للغلاف؛ فالنظام الذي يتحدث عنه آلان دونو لا يصنع أفرادًا أحرارًا أو ذواتٍ خلاقة بقدر ما يصنع أدوات صغيرة تؤدي وظائف محددة داخل بنية اجتماعية واقتصادية وثقافية أكبر منها.
.
أما اصطفاف الملاقط السبعة بطريقة هندسية متشابهة، فيوحي بحالة من النمطية والطاعة والتكرار، وكأن الإنسان داخل نظام التفاهة يفقد فردانيته تدريجيًا، ليصبح نسخة قابلة للاستبدال؛ أي أنهم متشابهون حدّ الذوبان، ولا يوجد فرق بينهم سوى اللون أو الموقع، بينما الوظيفة واحدة: الإمساك، التثبيت، وتعليق ما يُراد تعليقه.
.
وهذا يعيدني إلى استخدام الملقط في الثقافة التركية، إذ يتكرر استخدام مفردة الملقط في الدراما التركية، كإشارة إلى أن الشخص الذي يقوم بالفعل ليس صاحب إرادة واعية وقصدية في فعله، وإنما هو مجرد أداة تقوم بتنفيذ أوامر غيره، إذ يستخدمه سيده أو مُمسك حبله لتحقيق مآربه ومقاصده.
.
وقد يكون اختيار الرقم سبعة مقصودًا من الناحية الرمزية؛ فهذا الرقم في الوعي الإنساني يحمل غالبًا دلالة الكمال أو الاكتمال، وكأن الغلاف يريد أن يقول إن منظومة التفاهة قد أصبحت بنية مكتملة ومتماسكة وقادرة على إعادة إنتاج نفسها.
.
أما الملقط الأحمر الذي يتوسط المشهد، فهو أكثر عناصر الصورة إثارة للتأويل؛ إذ يمكن النظر إليه كرمز للتافه الذي يبرز داخل النظام، فتميزه باللون الأحمر قد يعطيه عمقًا أو قيمة إضافية، أو لأنه الأكثر قدرة على التكيف مع شروط المنظومة؛ فالنجومية التي يتمتع بها ما هي إلا جزءٌ من التفاهة.
.
إن الغلاف وفق هذا المعنى، يقدّم لنا صورةً حية تمثل استعارة بصرية كثيفة لفلسفة التفاهة الحديثة؛ ذلك عندما يتحول الإنسان من ذاتٍ مفكرة تمتلك قلق السؤال وحرية المعنى، إلى أداة وظيفية صغيرة داخل آلة اجتماعية هائلة، ومن كائن يسعى إلى صناعة أثره الخاص، إلى ملقط آخر في صف طويل من الملاقط المتشابهة المعلّقة على حبل النظام الكبير؛ لا يملك إلا أن يُطبق فكيه على ما يُطلب منه الإمساك به، ولا يختلف عن غيره إلا بمقدار اللون أو الشكل أحيانًا، بينما تظل الوظيفة واحدة، تثبيت ما يريده هذا النظام، وتعليق ما يشاء له أن يبقى معلّقًا.
هذا المحتوى سيميائية العنوان والصورة في كتاب نظام التفاهة ظهر أولاً في سواليف.





