سيكولوجيا الشر
بقلم/ د. علي المبروك أبوقرين
في مناطق الظل من النفس البشرية حيث تتخفّى التناقضات خلف مظهر من الاتساق، تنشأ شخصية لا تُقاس بظاهر ذكائها، إنما بخطورة ما تخفيه من اختلال متقن، شخصية يمكن توصيفها على سبيل التحليل بأنها عقل بلا ضمير، حيث تتجمع عناصر الثالوث المظلم في بناءٍ واحد نرجسية خبيثة وميكافيلية باردة وبرود عاطفي يرتبط بما يُعرف باضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، وتُتوج جميعها بغطاءٍ كثيف من الغرور القاتل الذي يحول دون أي مراجعة أو تصحيح.
في هذا الكيان لا تكون النرجسية مجرد حب للذات بل تضخمًا مرضيًا كما في اضطراب الشخصية النرجسية، حيث تتضخم الأنا حتى تفقد قدرتها على رؤية الآخر ككيان مستقل. الآخر هنا ليس شريكا في الوجود إنما أداة أو انعكاس أو عائق.
وتتحول الحاجة إلى التقدير إلى عطشٍ لا يُروى، يدفع إلى فرض الهيمنة ورفض النقد، وإعادة تشكيل الواقع ليتوافق مع صورة داخلية لا تقبل التصدع. إنها نرجسية لا تكتفي بالإعجاب، بل تسعى إلى السيطرة، ولا تحتمل الاختلاف، بل تعتبره تهديدًا يجب إقصاؤه. وتتسلل الميكافيلية إلى هذا البناء كعقل حسابي دقيق، فتُختزل العلاقات إلى وسائل وتُفرغ القيم من محتواها لصالح الغاية. لا يعود الصدق التزامًا إنما خيارًا مؤقتًا، ولا الأمانة مبدأ بل أداة تُستخدم حين تخدم المصلحة.
كل شيء قابل لإعادة التعريف ما دام يخدم الهدف وما دام يحافظ على الصورة. ويكتمل هذا النمط ببرود عاطفي عميق، حيث يبهت الشعور بالذنب ويتلاشى الندم ويصبح ألم الآخرين ضجيجًا بعيدًا لا يفرض التوقف. هنا لا يكون العنف دائمًا مباشرًا قد يكون صامتًا يمر عبر قرارات محسوبة أو إهمال مقصود، فيُحدث أثرًا بالغًا دون أن يترك أثرًا ظاهرًا على صاحبه. إنها حالة من الانفصال الوجداني حيث يُدار السلوك بعقل بارد لا يثقل كاهله أي عبءٍ أخلاقي.
غير أن ما يمنح هذه الشخصية حدها الأقصى من الخطورة هو الغرور القاتل ذلك الإحساس المكتمل بالعصمة، حيث ينغلق الإنسان على ذاته، ويكتفي بها ويرفض كل ما سواها. الغرور هنا ليس صفة إضافية، بل هو المحرك الخفي الذي يعطل آليات التصحيح ويمنع الاعتراف بالخطأ، ويحول المعرفة إلى يقين مغلق، والخبرة إلى سلطة غير قابلة للمساءلة. في ظل هذا الغرور لا يُراجع القرار ولا يُعاد النظر في الموقف بل يُعاد تشكيل الواقع ليبدو القرار صائبًا مهما كانت نتائجه.
ومن منظور طبي ونفسي، لا يُفهم هذا النمط بوصفه شرًا مجردًا إنما كنموذج من الاختلال في التنظيم النفسي، حيث تتداخل سمات تؤثر في الإدراك والحكم والانفعال. غير أن خطورته لا تكمن في طبيعته الفردية فحسب بل في قدرته على التمدد والتأثير خاصة إذا ما وجد في بيئات تفتقر إلى المساءلة أو تُكافئ المظهر على حساب الجوهر أو تخلط بين الحزم والهيمنة، وبين الثقة والغرور.
فلسفيًا يكشف هذا البناء عن مفارقة عميقة أن العقل وهو أسمى ما في الإنسان يمكن أن يتحول إلى أخطر ما فيه إذا انفصل عن الضمير، وأن الذكاء، إذا لم يُهذب بالقيم قد يصبح أداة تبرير بدل أن يكون أداة فهم. فليست القوة في القدرة على السيطرة إنما في القدرة على التوازن وليست العظمة في التفوق على الآخرين بل في الحفاظ على إنسانيتهم. إن عقلًا بلا ضمير ليس تعبيرًا عن قوةٍ مكتملة، بل عن اختلال مُحكم وليس عبقرية في معناها البنّاء بل انحراف في توظيفها. ومواجهة هذا النمط لا تكون بإدانة أخلاقية عابرة بل ببناء وعي يعيد وصل العقل بالضمير ويُعيد الاعتبار للإنسان بوصفه غاية وليس وسيلة.
فحين يستعيد الإنسان قدرته على التعاطف وعلى مراجعة ذاته وعلى الشك في يقينه، تنكسر هذه البنية من داخلها، ويعود التوازن إلى ما اختل، وتفقد هذه العبقرية سطوتها حين تُحاط بإنسانية تقاومها بهدوءٍ عميق.
The post سيكولوجيا الشر appeared first on الموقف الليبي.





