لفتني في الجدل الأخير المثار حول تنظيم مهنة المحاماة، وأنا أتابعه من موقع الصحفية، أمر يتجاوز تفاصيل القانون نفسه. فالمصادفة الزمنية بين إعادة ترتيب قواعد المحاماة وما تعرفه الصحافة من نقاشات متصلة بتنظيم المهنة جعلتني أتساءل: ماذا يحدث حين تنظم الدولة، في اللحظة نفسها تقريبا، مهنتين لا تمارسان السلطة، لكنهما تملكان حق مساءلتها كلٌّ من موقعه؟
لا أتعامل مع التزامن باعتباره دليلا على نية خفية؛ فهذا تبسيط لا يليق بالنقاش. ما يعنيني هو ما يكشفه هذا التزامن عن علاقتنا بالدستور.
أشعر أحيانا أننا نقرأ الدستور بعين القانون، بينما ينبغي أن نقرأ القانون بعين الدستور.
القانون يسأل: كيف ننظم المهنة؟
أما الدستور فيطرح سؤالا أكثر إزعاجا: إلى أي حد يجوز لهذا التنظيم أن يمس استقلالها؟ هذا ما يجعل المسألة جدية.
أنا صحفية، وأعرف أن تنظيم المهنة ضرورة، وأن الحرية لا تعني الفوضى، وأن الصحافة ليست حصانة من المسؤولية. لكنني أعرف أيضا أن الصحافة إذا فقدت قدرتها على السؤال فقدت شيئا من مبرر وجودها. والأمر نفسه ينطبق على المحاماة: لا يمكن أن تكون مهنة بلا قواعد، لكن استقلال المحامي ليس امتيازا شخصيا له؛ إنه ضمانة لمن قد يجد نفسه يوما في مواجهة قوة أكبر منه.
لهذا لا أستطيع أن أرى النقاش حول القانون باعتباره خلافًا بين •الدولة• و •المحامين•، ولا أن أرى كل اعتراض مهني بوصفه دفاعا عن امتيازات. المسألة لها أبعاد أكبر.
المشكلة ليست في أن تنظم الدولة المهنة؛ المشكلة تبدأ عندما يصبح التنظيم هو الذي يحدد مقدار الاستقلال الذي تستطيع المهنة أن تتمتع به.
وهنا أجد أن الفرق بين القانون والدستور ليس فرقا في المرتبة فقط، وإنما في الفلسفة. القانون ينظم السلوك، أما الدستور فيضع حدود السلطة التي تنظم هذا السلوك. لذلك لا يكفي أن يكون القانون مشروعا من حيث الشكل؛ علينا أن نسأل عن أثره في الحق الذي يفترض أن يحميه.
وهذا هو الجزء الذي يهمني أكثر.
فالقوانين لا تعمل داخل الورق. إنها تدخل إلى وعي الناس. وقد لا تمنع الصحفي من الكتابة صراحة، لكنها قد تجعله أكثر حذرا في اختيار ما يكتب. وقد لا تمنع المحامي من الدفاع، لكنها قد تجعله يعيد حساب حدود المواجهة قبل أن يبدأها.
القيد هنا يصبح أخطر من المنع المباشر، لأنه لا يقول لك: لا تفعل؛ يجعلك تسأل نفسك أولا هل يستحق الأمر أن أفعل؟
هذه، بالنسبة إلي هي ``سيكولوجية الدستور`` ليست نفسية النص، وإنما نفسية السلطة أمام استقلال لا تستطيع أن تتحكم في مخرجاته.
فالسلطة لا تُختبر عندما تكون الصحافة مريحة، ولا عندما يكون المحامي متوافقا مع الجميع. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح الصحفي مزعجا، والمحامي عنيدا في دفاعه، والقانون نفسه أداة للاعتراض على استعمال القوة..هناك أعرف معنى الاستقلال.
وأعرف أيضا معنى الدولة الواثقة من نفسها.
الدولة القوية لا تحتاج إلى صحافة تطيعها حتى تثبت قوتها، ولا إلى محاماة تخشاها حتى تثبت هيبة القانون. قوتها الحقيقية أن تستطيع احتمال السؤال، والاعتراض، والنقد، وحتى الخطأ، ثم ترد عليه بالمؤسسات لا بالقلق.
لكنني، في الوقت نفسه، لا أريد أن أضع المهنة في موقع البراءة المطلقة. فالصحافة التي تطلب الحرية ولا تحترم المهنية تسيء إلى الحرية، والمحاماة التي تطلب الاستقلال وترفض كل مساءلة تسيء إلى الاستقلال.
الاستقلال ليس حصانة، والتنظيم ليس وصاية...وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم النقاش.
لذلك، وأنا أتابع الجدل حول تنظيم المحاماة، لا أسأل فقط: ماذا يقول القانون؟ بل أسأل سؤالا آخر أشد أهمية: أي نوع من السلوك المهني يريد هذا القانون أن ينتجه؟
هل نريد صحفيا أكثر مهنية لأنه يعرف حقوقه وحدود مسؤوليته؟
هل نريد محاميا أكثر استقلالا لأنه يعمل داخل قواعد واضحة؟
أم نريد، من حيث لا نقصد، مهنيين يتقنون حساب المخاطر أكثر مما يتقنون ممارسة وظائفهم؟
الفرق بين الاحتمالين هو الفرق بين قانون يحمي المهنة وقانون يعيد تشكيلها.
ولهذا أجد أن النقاش الراهن يستحق أن يُخرج من ثنائية /الدولة ضد المهنة/. الدولة لها حق التنظيم، والمهنة لها حق الاعتراض، والدستور هو المساحة التي ينبغي أن تمنع كليهما من تحويل حقه إلى سلطة مطلقة.
ما يهمني في النهاية ليس من سيربح هذه الجولة.
ما يهمني أن يبقى الصحفي قادرا على السؤال، والمحامي قادرا على الدفاع، والدولة قادرة على الاستماع دون أن ترى في السؤال تهديدا لهيبتها.
فالدستور، كما أفهمه، لا يختبر عندما نقرأ مواده في المناسبات. يُختبر عندما يصبح استعمال الحرية مزعجا.
لحظتها فقط أعرف إن كان استقلال الصحافة والمحاماة حقيقة دستورية، أم مجرد مساحة جميلة ما دامت لا تقترب كثيرا من السلطة.
تلك هي سيكولوجية الدستور التي يقلقني أن نغفل عنها ونحن ننشغل بتفاصيل القانون..




