نفتح الهاتف.
نبدأ بالـScroll.
فيديو عن الأسعار، منشور عن الانتخابات، مقطع سياسي، تعليق ساخر، نقاش حاد، خبر جديد… ثم ننتقل إلى الفيديو الموالي.
في الحقيقة نحن نستهلك السياسة يوميًا، حتى عندما لا نبحث عنها.لكن السؤال الحقيقي هو: هل نحن نعيش السياسة فعلًا، أم أننا فقط نمرّ عليها بالـScroll؟
ربما هنا تبدأ علاقتنا الجديدة بالسياسة.
بالنسبة إلى جيل Z، لم تعد السياسة محصورة في قاعة اجتماع حزبي، أو في خطاب انتخابي، أو في صفحات الجرائد. السياسة أصبحت موجودة في الهاتف الذي نحمله معنا طوال اليوم. أصبحت فيديو قصيرًا، Podcast، Meme، تعليقًا، نقاشًا على منصة اجتماعية، وهذا التحول ليس تفصيلًا بسيطًا. إنه يعني أن السياسة أصبحت أقرب إلى الشباب من أي وقت مضى، لكن قربها منهم لا يعني بالضرورة مشاركتهم فيها.
فقد نشاهد عشرات الفيديوهات السياسية، ونناقشها مع أصدقائنا، ونختلف حولها في التعليقات، ونشارك منشورًا أو نضع «Like» على موقف سياسي… ثم ينتهي كل شيء عند حدود الشاشة.
وهنا تظهر الحاجة إلى الانتقال من الـScroll إلى الـPolitical Action.أي من متابعة السياسة إلى المشاركة فيها، ومن التعليق على الواقع إلى محاولة تغييره، ومن استهلاك الأفكار إلى إنتاجها.
فالسياسة ليست فقط أن تعرف من قال ماذا، ومن فاز ومن خسر، ولا أن تحفظ أسماء السياسيين والأحزاب. السياسة، في جوهرها، هي أن تفهم كيف يشتغل المجتمع والدولة، وأن تسأل، وتناقش، وتقترح، وتختلف، وتحاول التأثير.
ولهذا فإن الاهتمام بالسياسة ليس «شيئًا خاصًا بالسياسيين».السياسة موجودة في كل ما يهمنا: فرص الشغل، التعليم، الصحة، النقل، السكن، البيئة، الثقافة، الاقتصاد، الرقمنة، العدالة المجالية، ومستقبل المدن والقرى.حتى قرارنا بأن نهتم أو لا نهتم بالسياسة هو، بطريقة أو بأخرى، موقف من واقع يؤثر في حياتنا.
لكن لكي يصبح هذا الاهتمام فعلًا سياسيًا حقيقيًا، نحتاج إلى شيء أساسي: النقاش، وأن نحدث العاقل بما يعقل.
إذا أردنا سياسة أكثر عقلانية، فعلينا أن ننتج نقاشًا أكثر عقلانية. وإذا أردنا نخبًا سياسية جديدة، فعلينا أن نستثمر في تكوين الشباب. وإذا أردنا مستقبلًا أفضل، فعلينا أن نمنح الشباب فرصة حقيقية ليس فقط للتصويت على المستقبل، بل للمساهمة في صناعته
نحتاج إلى جيل يستطيع أن يقول: «أختلف معك، لكنني مستعد لأن أسمعك.»
وهنا بالضبط يمكن أن يكون لجيل Z دور مختلف في السياسة المغربية.
لا نحتاج فقط إلى شباب يملؤون المقاعد في اللقاءات السياسية، ولا إلى شباب يتم استدعاؤهم في الحملات الانتخابية من أجل التعبئة. نحتاج إلى شباب يفكرون، ويتكونون، ويقترحون، وينتجون الأفكار، ويشاركون في صناعة القرار.
فالرهان الحقيقي ليس فقط أن نرى وجوهًا شابة في السياسة، وإنما أن نرى نخبًا سياسية شابة ومؤهلة.
نخبًا تفهم الاقتصاد والسياسات العمومية والمؤسسات والقانون، وتفهم في الوقت نفسه المجتمع المغربي بكل تعقيداته وتنوعه.
نخبًا تعرف العالم، لكنها لا تنسخ تجاربه بشكل أعمى.
نحن في حاجة إلى تكوين سياسي حديث، لكن له خصوصية مغربية؛ تكوين ينطلق من تاريخ المغرب ومؤسساته وتجربته السياسية والاجتماعية، ويفهم التحولات التي يعيشها المجتمع المغربي، ومن تعدده الثقافي واللغوي، ومن واقعه الاجتماعي والاقتصادي، ومن تجربته في تدبير الاختلاف، ويستوعب في الوقت نفسه التحولات العالمية والتكنولوجية الجديدة.
نحتاج إلى سياسي شاب يستطيع أن يتحدث لغة جيله، لكنه لا يكتفي بلغة الـTikTok.
يستطيع أن يفهم الـAlgorithm، لكنه يفهم أيضًا الدستور والمؤسسات.
يستطيع أن يصنع Content جذابًا، لكنه قادر كذلك على بناء Policy.
يستطيع أن يتواصل مع الناس عبر Instagram، لكنه يعرف كيف يحول مطالبهم إلى مقترحات وبرامج وسياسات عمومية.
وهنا تكمن النقلة الحقيقية: من Content إلى Policy، ومن الـScroll إلى Political Action.
فالسياسة ليست مجرد صناعة محتوى، كما أنها ليست مجرد حضور على مواقع التواصل. المنصات الرقمية يمكن أن تكون بوابة إلى المشاركة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عنها.
يمكن للـLike أن يعبر عن موقف، لكن القرار يحتاج إلى مشاركة.
يمكن للـComment أن ينتقد، لكن التغيير يحتاج إلى اقتراح.
يمكن للـShare أن ينشر فكرة، لكن تحويل الفكرة إلى واقع يحتاج إلى عمل وتنظيم ومسؤولية.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام جيل Z في المغرب: كيف نحول القوة الرقمية إلى قوة مدنية وسياسية؟
كيف ننتقل من متابعين للسياسة إلى مشاركين فيها؟
من مستهلكين للمعلومة إلى منتجين للمعرفة؟
من التعليق على القرارات إلى المساهمة في صناعتها؟
ربما هنا تبدأ السياسة الحقيقية.
فالسياسة ليست فقط صراعًا على المواقع، وليست مجرد انتخابات ومهرجانات وخطابات. السياسة يمكن أن تكون متعة الفهم، ومتعة النقاش، ومتعة اكتشاف تعقيدات المجتمع، والأهم: متعة أن تعرف أن صوتك يمكن أن يكون له أثر.
أن تطرح فكرة وتجد من يناقشك فيها.
أن تدافع عن قضية تؤمن بها.
أن تختلف دون أن تتحول إلى خصم.
أن تساهم في مبادرة.
أن تقترح حلًا لمشكلة في مدينتك.
أن تنخرط في مؤسسة أو حزب أو جمعية.
أن تشارك في الشأن العام.
أن تنتقل من سؤال «ماذا يحدث؟» إلى سؤال «ماذا يمكنني أن أفعل؟».
هذه هي السياسة التي يمكن أن تجذب جيل Z.
سياسة لا تطلب من الشباب أن يصبحوا نسخة من السياسيين التقليديين، وإنما تمنحهم فرصة لصناعة أسلوبهم الخاص في المشاركة، مع الحفاظ على الجدية والمسؤولية والتكوين.
لطالما ارتبطت كلمة «السياسة» في أذهان الشباب بالصراع، والانتخابات، والمنافسة على المواقع، والخلافات التي لا تنتهي. وربما لهذا السبب اختار عدد من الناس الابتعاد عنها، معتبرين أن السياسة عالم معقد، مليء بالتجاذبات والمصالح والحسابات.
لكن ماذا لو نظرنا إلى السياسة من زاوية مختلفة؟
ماذا لو اعتبرنا أن في السياسة قدرًا من المتعة؟ ليس المقصود متعة السلطة أو متعة الانتصار على الآخر، وإنما متعة الفهم، ومتعة النقاش، ومتعة اكتشاف تعقيدات المجتمع، والأهم من ذلك كله: متعة الانتقال من مجرد متفرج على الواقع إلى فاعل يحاول تغييره وصناعة جزء من مستقبله.
السياسة، في أحد تعريفاتها الجميلة، هي «فن الممكن». وهي كذلك لأن السياسي لا يشتغل في عالم مثالي، وإنما داخل واقع مليء بالتحديات والقيود وتضارب المصالح. لذلك فإن السياسة الحقيقية ليست أن نحلم بما نريد فقط، بل أن نعرف كيف نحول الممكن إلى واقع، وكيف نقترب من الأفضل خطوة بعد أخرى.
ومن هنا تأتي متعة السياسة.
هناك متعة خاصة في أن تفهم قضية كانت تبدو معقدة، وأن تناقش فكرة مع شخص يختلف معك دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، وأن تبحث عن حل لمشكلة حقيقية يعيشها الناس، ثم ترى فكرة كانت مجرد نقاش تتحول إلى مشروع أو قرار أو مبادرة. إنها متعة الشعور بأن الأفكار يمكن أن يكون لها أثر، وأن المواطن ليس مجرد متلقٍ للقرارات، وإنما يمكن أن يكون شريكًا في صناعتها
وفي النهاية، ربما لا يحتاج جيل Z إلى مزيد من الخطابات التي تقول له: «اهتموا بالسياسة».بل يحتاج إلى سياسة تجعله يشعر أن اهتمامه له معنى، وأن صوته له قيمة، وأن مشاركته يمكن أن تصنع فرقًا.لأن التحدي اليوم ليس أن نخرج جيل Z من الـScroll فقط.التحدي الحقيقي هو أن نجعل ذلك الـScroll بدايةً للوعي، لا نهايةً للمشاركة.
من الـScroll إلى السؤال.
من السؤال إلى النقاش.
من النقاش إلى الفكرة.
ومن الفكرة إلى الـPolitical Action.
هنا تبدأ سياسة جيل Z.
ظهرت المقالة سياسة الـGen Z: من الـScroll إلى الـPolitical Action أولاً على مدار21.





