... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
166002 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8289 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

صرخة في وادي الصمت: استعادة الذات العربية

العالم
صحيفة الموقف الليبي
2026/04/13 - 10:22 501 مشاهدة


بقلم/ فرج بوخروبة


ما أصعب أن يغترب المرء في وطنه، ليس بجسده فحسب، بل بروحه وقيمه وهويته العميقة. إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة سياسية عابرة أو تقلبات اقتصادية، بل هو انكسار جذري في الوجدان العربي، تملُّص ممنهج من المسؤوليات التاريخية التي ألقيت على عاتق هذه الأمة العريقة. لقد تحول التخلي عن العروبة، وعن الحقوق المشروعة الثابتة، إلى نهج يتلطَّى خلف مبررات واهية وحجج زائفة لا تزيدنا إلا انكسارًا وتشتُّتًا. في الوقت ذاته، يسرح العدو ويمرح في أرجاء خريطتنا السياسية والجغرافية، مستبيحًا الأرض والعرض بلا حدود أو رحمة، مستغلًّا كل فراغ نتركه بإرادتنا الخاصة.
ضياع الهوية وتغوُّل العدو
تخلَّى الكثيرون عن “المرام” العربي السامي الذي كان يُعرِّفنا، وعدلوا عن الذَّود عن حياضهم بكل قوة وحماسة، ففتحوا الأبواب على مصراعيها لمن يريد بنا سوءًا ويحيك المؤامرات ضدهم. حين يتنصَّل العربي من عروبته وحقِّه التاريخي الثابت، يهدي الأرض للعدو على طبق من ذهب نقي، لا يحتاج إلى جهد لانتزاعها. هذا “التغريب” الخبيث الذي أصاب العقل العربي جعله يرى في الدِّفاع عن أرضه عبئًا ثقيلًا، وفي التمسُّك بهويته “رجعية” تستحق الازدراء، ما سمح للعدو أن يحلَّ محلنا بكلِّ أريحية وثقة، مستغلًّا هذا الفراغ الروحي والسياسي الذي صنعناه بأيدينا.
العدو لا ينتصر بقوَّته العسكرية أو الاقتصادية فحسب، بل يقتات على تشرذمنا الداخلي وضياع بوصلتنا الأخلاقية والاستراتيجية. غاب الصوت الجهور الذي ينادي بالكرامة والعزَّة، وحلَّت محله أصوات مشروخة تبرِّر الهزيمة وتجمل القهر، تحولت إلى أناشيد للاستسلام المقنَّع. هذا الضياع ليس مصادفة، بل نتيجة حملات ثقافية وإعلامية طويلة الأمد، أدخلت الشكَّ في نفوسنا، وجعلتنا نرى في تراثنا عائقًا أمام “الحداثة” المزعومة.
بين الركود والنموذج الحي
وفي الوقت الذي يغرق فيه البعض في سبات عميق يشبه الموت الروحي، نجد في الجوار نماذج حيَّة أثبتت أن التمسُّك بالثوابت وعدم المهادنة في الحقوق هو السبيل الوحيد للبقاء والازدهار. إيران تقدِّم قدوة حسنة في الحفاظ على السيادة والمشروع القومي، وفي الوقوف بكلِّ صلابة في وجه الأطماع الخارجية المتوحِّشة. استطاعت، من خلال الإصرار الراسخ والاعتماد على الذَّات دون الخضوع للضغوط، أن تفرض معادلة صعبة على السَّاحة الدولية، تحولت إلى كابوس لمن يحلم بتقسيم المنطقة. وفي تاريخنا العربي الغني، تذكِّرنا مقاومة الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وثورات فلسطين الشَّهباء ضدَّ الاحتلال، وبطولات الشعب الليبي وصولات شيخ الشهداء عمر المختار ضد الاستعمار الإيطالي الغاشم في ليبيا، بأنَّ الصّمود يبني الأمم ويُعيد رسم الخرائط. كيف يُعقل إذن أن يتسابق بعضنا للتّخلّي عن أوراق قوّته التاريخية والاستراتيجية، ويترك السّاحة لمن يجرؤ على الحلم والعمل المنظّم، بينما يكتفي هو بالنّحيب على الأطلال والأوهام؟
غياب الغيرة وانحراف الأصل
التّاريخ لا يرحم الضّعفاء، ولا يكتب صفحاته بمداد المتخاذلين الذين يبيعون مستقبلهم بثمن بخس. في “العربي المتغرّب”، غابت الغيرة المتقدّة التي كانت تشعل الثّورات، والصّرخة المدوية في وجه التحدّيات الكبرى. الثّبات والقوّة ليسا شعارات جوفاء تُردّد في المحافل، بل ممارسة يوميّة تبدأ بالإيمان الراسخ بأنّ هذه الأرض حقّ لا يقبل القسمة أو التّنازل، وأنّ الكرامة لا تُشترى بالمعاهدات الهشّة التي تذوب مع أوّل اختبار، بل تُنتزع بالصّمود والإرادة الحديديّة. أين صلاح الدّين الأيّوبي وعزائمه التي لم تعرف المستحيل، حين وحّد الصفوف واستعاد القدسّ من أيدي الصّليبيّين؟ أين تلك الرّوح التي هزّت الإمبراطوريّات؟ العودة إلى العروبة الحقّة تعني نصرة القضيّة المركزيّة بكلّ الوسائل، ورفض كلّ أشكال التبعيّة والتّبعّض – أم أنّ الاستسلام خيار مقبول في زمن الضّعف؟
الختام: التاريخ يراقب
حان الوقت لنفض غبار التّغريب عن كواهلنا، وإدراك أنّ العدوّ لن يكتفي بجزء من الأرض، بل يريد محو الهويّة كلّها، واستبدالها بصورة مزيّفة تخدم مصالحه. القاهر من يملك الإرادة والرّؤية، والمنكسر من يختلق الأعذار لتبرير تقاعسه وتخاذله. وقفة رجل واحد مطلوبة الآن، واستعادة زمام المبادرة قبل أن تبتلعنا رمال التّاريخ المتحرّكة، وتدفن معنا كلّ أمل في النهوض.
الصّرخة يجب أن تتحوّل إلى عمل جريء، والسّبيل مقاومة بكلّ أشكالها الشرعيّة والمُؤثّرة. من يترك داره طوعًا فلن يجد من يرحّب به في دار الخديعة والغدر. “ها قد عدنا يا بن تاشفين” الأرض باقية، والحقّ لا يموت ما دام وراءه مطالب ترفض الذّلّ، وتأبى إلّا أن تكون سيدة في أرضها، عزيزة في عروبتها. وقد يأتي يومٌ رجلٌ يقولها بصوت يهزّ الأرض: “ها قد عدنا يا بن تاشفين”، فيُعيد للأمّة مجدها، ويُثبت أنّ التّاريخ لم يُغلَق بعدُ.

The post صرخة في وادي الصمت: استعادة الذات العربية appeared first on الموقف الليبي.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤