في المقابل، يستند عمل عبد الناصر غارم إلى واقعة حقيقية، إذ استخدم الفنان جسرا جبليا شهد حادثة مأسوية (حادثة جسر السبت) سقط خلالها عدد من سكان قرية جبلية، كانوا يحتمون بالجسر بسبب السيول الجارفة، فحول هذا المكان إلى مساحة فعل حي، شارك فيه أشخاص وحيوانات اجتازوا الجسر في لحظة محملة بذاكرة الخطر. ما فعله غارم على الجسر، لم يكن إعادة تمثيل للكارثة الحقيقية، إنما استدعاء لثقلها الإنساني داخل فعل فني مفاهيمي، ثم تثبيت هذا الفعل عبر التوثيق (صور فوتوغرافية وفيديو آرت)، بحيث يظل العمل مفتوحا لإعادة القراءة.

في العملين، يتحرك الفعل داخل زمن غير مستقر. في الفيلم يتكون عبر السرد البصري الذي يلاحق الحركة ويعيد تشكيلها مع الانتقال من مكان الى آخر، وفي عمل غارم يستمر عبر الأثر الذي خلفه الحدث، وكأن اللحظة الأولى تتمدد داخل طبقات متراكبة من المعنى دون أن تنقضي تماما. الحضور البشري في الحالتين، جزء من هذا التدفق، يتأثر به ويعيد تشكيله في الآن نفسه.
هذا الامتداد يضع العملين في أفق قريب من الفن القائم على الأداء الحي أو ما يعرف بالـ Performance Art، حيث تتقدم التجربة نفسها إلى الواجهة. في الفيلم تلتقط اللحظة وهي تتكون، وفي العمل الفني تستعاد اللحظة عبر أثرها. وفي الحالتين هناك محاولة للإمساك بحركة الزمن وهو ينزلق، والقبض على لحظة عبور لا تستقر، لكنها تترك ما يكفي من العلامات التي تستدعى بالضرورة لتعاد قراءتها كلما تقدم الزمن.
المكان حافة لا مسار
يمتد هذا الاشتغال من الزمن إلى الجغرافيا، فيقدم المكان بوصفه عنصرا فاعلا في تشكيل التجربة لا إطارا للحدث. في الفيلم تنفتح الصحراء المغربية على اتساعها القاسي كامتداد يضع الشخصيات في مواجهة مباشرة مع العراء. الأفق يبدو مفتوحا، لكنه لا يمنح الطمأنينة، على العكس يضاعف الإحساس بالانكشاف، وكأن كل خطوة تتم داخل مكان لا يمكنه أن يعد بشيء، خاصة حين يمر أبطال الفيلم بحقل ألغام ويتساقطون واحدا تلو الآخر أثناء رقصهم على إيقاع الموسيقى الإلكترونية.
في عمل عبد الناصر غارم، يتكثف المكان داخل بنية أكثر تحديدا، جسر جبلي ضيق ومعلق فوق هاوية، يحمل في داخله ذاكرة سقوط سابقة. هذا التضييق في المساحة يزيد التركيز على وطأة الخطر ولا يخففها، ويجعل فعل العبور مشحونا بالتوتر المستمر، فيصبح التوازن نفسه فعلا هشا، قابلا للانكسار في أي لحظة.
في الحالتين، يتشكل المكان بوصفه حافة. الصحراء تمتد حتى تلامس حد الفقد، والجسر يرتفع حتى يقترب من مفهوم الحافة، التي يتبعها بالضرورة الخوف من السقوط. كلاهما يضع الإنسان في موقع يتأرجح بين قرار الاستمرار أو الوقوف، ويمنح الحركة معنى إضافيا يتجاوز مجرد الانتقال من نقطة إلى أخرى. الجبل حاضر في الخلفية كعلامة على العبور لا ككتلة صامتة، والمسافة تفصل دائما بين جهتين لا ترى نهايتهما بوضوح.














