الصحوة – سعاد الوهيبية
لو مشيت في أحد شوارع سلطنة عُمان أو حدائقها، فلا بد أنك رأيت تلك الشجرة الضخمة دائمة الخضرة، ذات الظل الوارف والورق المصقول، والتي يعرفها العمانيون باسمين شهيرين: “المُعرّق” و”الفيكس”.
وراء هذه الشجرة قصة تاريخية بدأت مع مطلع السبعينيات والثمانينيات، ومفارقات طريفة تدور حول سبب تسميتها، وكابوس خفي يمتد تحت الأرض جعل البلديات تعيد النظر في وجودها.
رحلة من أدغال آسيا إلى أرض عمان
مع بزوغ فجر النهضة المباركة في عُمان، كانت المدن الحديثة تسابق الزمن لرسم ملامحها الحضارية، وكان التحدي الأكبر هو إيجاد شجرة سريعة النمو تكسو الشوارع باللون الأخضر وتتحمل قسوة المناخ الحار، لذا فإن مهندسو تنسيق الحدائق فكروا في استيراد شتلات شجرة “الفيكس نيتيد(Ficus nitida)” من موطنها الأصلي في المناطق الاستوائية بجنوب وجنوب شرق آسيا (مثل الهند والصين)، إذ تميزت الشجرة بقدرتها الفائقة على تحمل الملوحة والحرارة الشديدة، وفرشت بظلالها الكثيفة مساحات واسعة في الشوارع والحدائق العامة بسرعة قياسية.
سر التسمية: بين عروق الأرض ووهم المرهم الطبي
تثير تسمية هذه الشجرة في المجتمع العُماني الكثير من الفضول، وهي تنقسم إلى شقين:
- لِمَ سُميت “المُعرّق”؟
يرجع التفسير الشعبي الأقرب والأكثر واقعية إلى طبيعة الشجرة نفسها؛ فقد أطلق عليها العمانيون اسم “المُعرّق” دلالة على “عروقها” وجذورها الوتدية العنيفة التي تتفرع وتتغلغل بنهم شديد في باطن الأرض، بل وتبرز أحياناً فوق السطح، فالاسم يصف قوتها النباتية بدقة. - هل لها علاقة بمرهم “الفكس” الشهير؟
هذه هي المفارقة الطريفة؛ إذ يعتقد الكثيرون أن هذه الشجرة هي مصدر مرهم “الفكس” (Vicks) الطبي المستخدم لعلاج البرد، والحقيقة العلمية أن هذا مجرد تشابه أسماء لا أساس له من الصحة؛ فللشجرة تُدعى “فيكس” اشتقاقاً من اسمها اللاتيني (Ficus)، أما مرهم الفكس فمكوناته نباتية مختلفة تماماً، حيث يُصنع من زيوت شجرة الكافور، وشجرة اليوكاليبتوس، ونبات النعناع.
الكابوس الخفي تحت الأرض
رغم الجمال والظل الذي قدمته شجرة المُعرّق لعقود، إلا أنها تحولت مع الوقت إلى كابوس يهدد البنية التحتية، جذورها (أو عروقها) القوية تبحث عن المياه بشكل هجومي، مما تسبب في أضرار بالغة وثقتها البلديات العُمانية، ومنها:
- تدمير شبكات المياه وصرف صحي: اختراق الأنابيب وتكسيرها مما يسبب تسريبات مكلفة.
- تخريب الأرصفة والمباني: تشقيق بلاط الشوارع والحدائق، وزعزعة القواعد الخرسانية للجدران القريبة.
- استنزاف المياه: تستهلك كميات هائلة من المياه الجوفية دون تقديم فائدة بيئية حقيقية للطيور أو الكائنات المحلية.
وداعاً للفيكس .. وأهلاً بالسدر والغاف
بسبب هذه الأضرار، اتخذت الجهات المختصة في سلطنة عُمان خطوات حازمة للحد من زراعة الفيكس في المناطق السكنية، وتتجه الرؤية الحالية نحو تشجيع المواطنين على استبدالها بأشجار أصيلة من البيئة العُمانية مثل السدر، والغاف، والسمر، وهي أشجار تقدم الظل ذاته بروح محلية، وتحافظ على البنية التحتية والمياه.


