سوسيولوجيا عائلات مدينة الجديدة .. الرأسمال الرمزي والذاكرة الحية لـ"مازغان"
ليست مدينة الجديدة مجرد فضاء جغرافي تحدده الزراعة أو البحر، بل هي قبل كل شيء حكاية عائلات نسجت عبر الزمن روحها العميقة وهويتها المتفردة.
في هذا المقال، يعيد المصطفى اجْماهْري، كاتب وناشر “دفاتر الجديدة”، قراءة تاريخ المدينة من زاوية رأسمالها الرمزي، حيث تتحول الذاكرة الحية للعائلات إلى مفتاح لفهم سر تميزها واستمراره.
نص المقال:
منذ أكثر من ثلاثة عقود من اهتمامي بالتاريخ المعاصر لمدينة الجديدة ومنطقة دكالة، ما فتئتُ أصادف خطاباً متكرراً يركز على مؤهلاتها الكبرى: الزراعة والسياحة الشاطئية. كما تُضيف مصادر عديدة إلى ذلك تراثها ذي الأصل البرتغالي، المتجسد في الحي البرتغالي المصنف ضمن التراث العالمي.
ومع ذلك، يبدو لي أن عنصراً جوهرياً يغيب عن هذا المشهد، وهو الذي صنع في نظري المتواضع كل الفارق وشكّل الثروة الحقيقية لمدينة الجديدة: عائلاتها. لقد فرض عليّ هذا الاستنتاج نفسه طوال مسار أبحاثي ولقاءاتي مع شخصيات محلية من مختلف الآفاق. بل إن هذه الحقيقة تظهر جليّة في شهادات قدماء المدينة، سواء كانوا مغاربة أو مازغانيين من أصول أجنبية. وقد كنتُ قد وضعتُ اللبنات الأولى لهذه الفكرة منذ عام 2010 في مؤلَّفَيْن ضمن مشروعي البحثي وهما: “وقائع سرية عن مازغان” و”مازغان.. ذاكرات مشتركة”.
في بداية أبحاثي، وثقتُ شهادات أربع شخصيات معروفة في المدينة استرعتْ انتباهي إلى الدور المركزي للعائلات الجديدية القديمة، وهم مصطفى بنشرقي (منتخب سابق)، حسن بزوي (المسؤول الثاني سابقاً في الاتحاد المغربي للشغل)، إدريس شاكيري (رئيس سابق لفريق الدفاع الحسني الجديدي)، ومصطفى الناصري (محافظ سابق). وقد ضمنتُ شهاداتهم في كتابي “ذكريات مغربية: الجديدة زمن الحماية” (2008)؛ حيث استخدموا في حديثهم عبارة “العائلات الرقيقة” للدلالة على الأسر التي شكلتْ النواة الاجتماعية للمدينة.
تعددية مُؤسِّسة
إن غنى مدينة الجديدة نابع إذن من العائلات التي شكلتْها منذ نشأتها قبل أكثر من قرنين، وتحديداً في عام 1820، تاريخ التأسيس الرسمي للمدينة. فقبل هذه الفترة، لم يكن الإقليم يضم سوى أطلال القلعة البرتغالية التي أُخليت منذ عام 1769. وكانت تلك الأسوار ستصبح النواة الأولى للمدينة الناشئة وأول أحيائها المنظمة. لقد تجلت عبقرية السلطان مولاي سليمان (المتوفى سنة 1822)، صاحب فكرة تكوين ساكنة الجديدة، في تصوره لها كـ”دينامو” حقيقي لميناء مازغان الذي انفتح منذ ذلك الحين على التجارة الدولية، ولا سيما الأوروبية.
ومن أجل دفق الحياة في الميناء وتأسيس الحاضرة الجديدة — وهما مشروعان متلازمان — عمل السلطان على تعمير المدينة بعائلات مسلمة ويهودية وفدتْ من أزمور (التي كانت حينها عاصمة المنطقة)، وكذا عائلات من القبائل المجاورة، لاسيما أولاد حسين وأولاد دويب. وبالموازاة مع ذلك، فتح المدينة أمام التجار الأوربيين. وبينما جلبت العائلات الأزمورية معها روح التمدن والخبرة الحضرية، شكل أبناء القبائل المحلية اليد العاملة الضرورية لأنشطة الميناء والفلاحة.
وسرعان ما انضم تجار من الرباط وفاس وتطوان إلى هؤلاء الرواد الأوائل. فمن فاس والرباط تدفقتْ سلالات تجارية كبرى (مثل عائلات برق الليل، بنشقرون، القادري، برادة، المريني، أو لحلو)، بينما قدمتْ تطوان وسلا أطر الإدارة (خاصة الأمناء والعدول)، مثل عائلات حصار، بندريس، السراج، دودار وبنعبود. كما وصلت عائلات أخرى من الأقاليم الجنوبية لدكالة، تركت بصمتها في كنيات مثل السرغيني، الشياظمي، أو الحيحي الوافد من سوس.
كان هذا الاختيار الديموغرافي مدروساً بعناية، لضمان أن يلعب كل مكون من الساكنة دوراً محدداً في تطوير النشاط المينائي والاقتصادي للمدينة. وفي هذا الصدد، يستشهد المؤرخ جوزيف غولفن في كتابه “استيطان أوائل السكان الأوروبيين في مازغان خلال القرن التاسع عشر”، بمذكرة مخطوطة لشخص يدعى سيفيراك تعود لعام 1861، تشهد على هذا التنوع المتنامي. ففي ذلك الوقت، كانت الساكنة الأوروبية، التي جذبتها الآفاق التجارية، تتكوّن من 70 إنجليزياً (معظمهم من جبل طارق)، 27 إسبانياً، 11 برتغالياً، 6 فرنسيين وإيطاليين اثنين. وبالموازاة مع ذلك، كان عدد الساكنة المغربية، من مسلمين ويهود، يناهز 1500 نسمة. ولا يزال أحفاد بعض العائلات الأجنبية يفتخرون بانتمائهم لـ”مازغان”، حيث استقر أجدادهم في المدينة منذ القرن التاسع عشر وظلوا بها حتى خمسينيات القرن العشرين. بل إن بعض أفرادها دفنوا بالجديدة، كما هو حال عائلات دي ماريا، جاكيتي، باليسترينو، فابر و أنسادو.
في البداية، كانت غالبية الساكنة تقطن داخل الحي البرتغالي الذي كان يشكل المدينة بأكملها تقريباً. وخارج الأسوار المحصنة، امتد دوار من النوايل (أكواخ من القصب والقش) كان يقطنها المعوزون — وهو تجمع وصفته بعض الكتابات الاستعمارية آنذاك، بنوع من الازدراء.
وبحكم الضرورة، نسج هذا التعايش مع مرور الوقت علاقات اجتماعية ومصاهرة وثيقة. إن روابط الزواج هذه، التي وحدت العائلات المحلية بتلك الوافدة من أقاليم أخرى، هي التي صهرتْ هوية المدينة. والأمثلة على ذلك كثيرة، نذكر منها عائلات بنشرقي، حْسين، جطو، الخطيبي، أو الأيوبي، التي جسدتْ تحالفاتها هذا الانصهار التام بين الجذور الدكالية والروافد الخارجية التي توطدت عبر الأجيال. بل إن بعض الرجال كانوا يفضلون الزواج من نساء أزموريات المشهود لهن ببراعتهن في تدبير شؤون الأسرة.
بهذه الطريقة، صاغت الحاضرة ثقافتها الخاصة، القائمة على روح المبادرة، الاحترام المتبادل، وقبول الآخر، مدفوعة برغبة مشتركة في الرقي. ورغم تنوع أصولهم، كان أفراد هذه العائلات يلقبون أنفسهم بـ “أولاد لبلاد” أو “المازغانيين”. فهم ليسوا مجرد أسماء في سجل، بل هم البناة الحقيقيون لروح المدينة الكوسموبوليتية. وقد كتبت عزيزة حصار-بلقاضي، المنتمية لإحدى عائلات الجديدة المعروفة، مجموعة قصصية بعنوان “رائحة الفانيليا” (الرباط، 2006)، تصف فيها الأجواء الاجتماعية لدى “العائلات الرقيقة”. وتدور أحداث قصصها بين الخمسينيات والستينيات، كما تلتقط نمط العيش ذاك حيث تسود أناقة السلوك، والأدب، والتحفظ، والثقافة على المظاهر المادية.
بزوغ نخبة
مع حلول الحماية الفرنسية، تعزّز النسيج البشري بشكل عام، كمّا ونوعا، حيث استقرتْ، تماشيا مع الظروف، عائلات مرموقة مثل عائلات: الخطيب (أب جزائري وأم مغربية)، حصار (من سلا)، بوجيبار وأزرقان (من الريف)، وسكيرج (لاسيما القاضي أحمد سكيرج).
وعلى مستوى البنية التحتية، توفرت المدينة على تجهيزات حديثة: مدارس، ثانوية، دور سينما، مسرح، حدائق، قاعة مغطاة، ملاعب رياضية وفندق عصري. وقد استفاد من هذا التطور جزء من الجيل المغربي المولود بين عشرينيات وأربعينيات القرن الماضي. ورغم القيود التي فرضتها الحماية على ولوج المغاربة إلى التعليم، تمكنتْ شخصيات وطنية من البروز، نذكر منها: إدريس الشرايبي (مهندس كيميائي وأديب عالمي)، عباس لحلو (تلميذ جاك بيرك، أول مدير لمعهد السوسيولوجيا بالرباط)، محمد عمور (سفير ووزير ورئيس الاتحاد العام لمقاولات المغرب)، عبد الكريم الخطيب (أول جراح مغربي ووزير وزعيم سياسي)، أحمد العبرقي (أول طبيب بيطري مغربي تخرّج من فرنسا)، لطيف لحلو (من أوائل خريجي معهد الدراسات السينمائية العليا بباريس)، وطه عبد الرحمن (فيلسوف مؤثر في العالم العربي والإسلامي).
هكذا، قامتْ عائلات عديدة استمدتْ وجاهتها من حس الواجب أكثر من الثروة المادية، بتكوين أبنائها بصبر على القيم والثقافة. والأسماء في هذا الصدد كثيرة، نذكر منها عائلات: الهنيوي، بنعلال، بوشتية، عبادي، الخليفة سي تيباري، التازي، بنكيران، بنطويلة، الصديقي، الفاتحي أو بوملحة. وإلى جانب هذه الأسر، برز علماء أجلاء في نقل هذا الموروث الأخلاقي، أمثال العلامة شعيب الدكالي، والفقيه امحمد الرافعي، والفقيه التازي، وسي إدريس التاشفيني، وسي الحطاب.
وقد اغتنى هذا الرأسمال الرمزي أيضاً بفضل العائلات اليهودية المغربية، التي ساهمتْ في إشعاع المدينة على قدم المساواة مع باقي المكونات، حيث قدّم هذا المكون خبرته الثمينة في المحاسبة والتدبير والترجمة، مكملاً بذلك الهيكل الاقتصادي للحاضرة. وتحتفظ الذاكرة المحلية ببصمات عائلات مثل بنعطار، أبريجل، بنسيمون، بنساهل، كوهين، بندلاك، أكوكا، ناهون، ورُويْمي.
أخيراً، وجد روح الانتماء هذا صدى لدى عائلات أوروبية، فرنسية بالأساس، تجذرتْ بعمق في حياة المدينة. ونذكر هنا التزام الزوجين دولانوي (طبيبان مخلصان استقرا منذ 1913)، وكاربوزان معلم المسايفة، وأندريه أديغار دي غوتري رائد المسرح الهاوي بالمغرب، والدكتور أنطوان باوليتي، أو الزوجين دوفور اللذين بنيا أول سينما عصرية.
لقد عاش عموم الساكنة المغربية، مسلمين ويهوداً، دون تمييز في نفس الأحياء: المدينة القديمة، درب القلعة، درب غلف، درب الصفا، وسيدي الضاوي. أما حي الپلاطو بمنطقته المخصصة للفيلات، فقد أُحدث في الخمسينيات للمقيمين الفرنسيين. وفي عام 1956، دُعي نفس هذا الجيل الجديدي لشغل المناصب التي شغرتْ برحيل الفرنسيين غداة الاستقلال. وهكذا، قدمتْ مدينة صغيرة مثل الجديدة للمغرب المستقل مشتلاً من الشخصيات الوازنة، من بينهم الجنرال عبد الحق القادري، الجنرال حسني بنسليمان، الوزير الأول إدريس جطو، والوزراء مصطفى الساهل، الطاهر المصمودي، وعبد الرحمن السباعي.
إن الطابع الكوسموبوليتي لمدينة الجديدة — الناتج عن التمازج التاريخي لساكنتها، وانفتاحها البحري عبر الميناء، واكتساب المعرفة من خلال تلاقح الثقافات والمؤسسات التعليمية — قد صاغ لها هوية فريدة. هذه الهوية، التي تُنعت غالباً بـ “روح المكان”، هي ثمرة ترسب تاريخي بطيء للساكنة، وهي لا تزال مستمرة اليوم بأشكال مختلفة، لاسيما عبر الشهادات الشفوية التي ينقلها الأقدمون — والتي جمعتُ كثيرا منها في مؤلفاتي المنشورة — وكذا عبر البصمات الراسخة في المشهد الحضري، حيث نجد أسماء هذه العائلات مرتبطة بأماكن رمزية: درب بندريس، درب الهلالي، جامع بلحمدونية، قيساريتيْ التازي وناهون، قصر الباشا حمو، أو دار لمسفرين — وهذا غيض من فيض من تراث يظل ذاكرة حية للمدينة.
قيمٌ موروثة
إن هذه العائلات المغربية، سواء كانت منحدرة من أزمور أو من محيطها القروي أو من مناطق المغرب الأخرى، قد بنتْ وأغنت، جيلاً بعد جيل، رأسمالاً اجتماعياً ورمزياً مشتركاً. لقد نفختْ في روح المدينة شعوراً بالانتماء، والتزاماً بالمصلحة العامة، وعطفاً على المعوزين، ووفاءً للقيم الوطنية. وقد سمح لي مساري الشخصي بأن أكون شاهداً على سلوكين سخييْن من ثقافة السابقين، الحريصة كل الحرص على صون الذاكرة المحلية.
المثال الأول يُقدمه لنا الجنرال عبد الحق القادري. ففي عام 2012، بادرتْ هذه الشخصية السامية في المملكة إلى التنويه بعملي، رغم أننا لم نكن نعرف بعضنا البعض بعد. لقد تأثر بقراءة سيرتي الذاتية “في ظل الجديدة”، لا سيما استحضاري لـ”مدرسة التهذيب الابتدائية الحرة” التي تلقى فيها أولى دروسه. وخلال لقائنا بالرباط، أسرّ لي بنادرة كاشفة: حين كان يدرس في مدرسة سان سير العسكرية بفرنسا، كان زملاؤه الفرنسيون، اقتناعاً منهم بأن كنيته (القادري) تربطه حتماً بمدينة فاس، يصرون على نسبه إليها. وبثقة تخلو من أي تعصب، كان يجيبهم دوماً: “أنا جديدي”. وبهذا التأكيد، كان يعتز بإرث عائلة متجذرة في الجديدة منذ القرن التاسع عشر، سائراً على خطى والده، سي عبد الواحد القادري، أحد وجوه حزب الاستقلال البارزة إبان عهد الحماية.
أما المثال الثاني فيجسده سي عبد الكريم بنشرقي، الشخصية الرمزية للعائلات المحلية القديمة ورئيس جمعية دكالة. فقد قدم دعماً مادياً ومعنوياً لا يتزعزع لمشروعي “دفاتر الجديدة”. وإيماناً منه بأن هذا المشروع عمل ذو منفعة عامة، كان هو القوة المحركة للتكريم المؤثر الذي حظيتُ به في يونيو 2025 (انظر مقالة سمية نعمان كسوس في موقع Quid.ma، 25 يونيو 2025).
لاحقاً، ومن خلال تعمقي في مصطلح «العائلات الرقيقة» الذي استخدمه قدماء المدينة، أدركتُ أنهم لا يتحدثون عن البذخ الاستعراضي، بل عن أرستقراطية الروح والسلوك. وهذا يحيل إلى أبعاد دقيقة: حسن السلوك، والأدب، والثقافة، والتربية. كانت هذه العائلات تضع التعليم (دينياً كان أو أدبياً أو حديثاً) فوق المال، وتُقدرُ الحياء الاجتماعي، والرزانة، والتشبث بالتقاليد؛ ويشمل ذلك فنون المائدة، وأناقة الملبس (العناية بالجلباب)، والحفاظ على الطقوس العائلية التي تلحم المجتمع.
ومن الضروري التذكير بأن هذا الرقي لم يكن ليزدهر لولا مساهمة أغلبية الساكنة، التي كانت في الغالب بسيطة الحال. هؤلاء حراس الظل والتقاليد — من عمال وصيادين وحرفيين ومستخدمين وأعوان منزليين — شكلوا الركيزة الحيوية للحاضرة. فبجهدهم اليومي، كانت المدينة تنبض بالحياة: يطعمون السكان، يعتنون بالحدائق، يحرسون البيوت والأطفال، وينعشون الأسواق.
باختصار، إن ثروة الجديدة هي وحدة لا تتجزأ: ولدتْ من موقعها الجغرافي ومواردها الفلاحية، لكنها تستمد قوتها أساساً من التماهي بين تراثها المادي وروح سكانها، مهما كانت ظروفهم الاجتماعية. غير أن التحول الحضري ما بعد عام 1980 — المدفوع بالتوسع الديموغرافي، وتأثير ميناء الجرف الأصفر (الذي افتتح عام 1982)، وسنوات الجفاف الكبرى (1980-1984)، وتأسيس جامعة شعيب الدكالي (1985)، وتوسيع المدار الحضري — أدى إلى نزوح قروي كثيف. هذه الظاهرة حولت المدينة من حاضرة ثقافية إلى “مدينة مرقد”. وكما أشار الجغرافي محمد الناصري، انزلقت المدينة نحو “تمدين بدون تحضر”. وإذ رأتْ تلك العائلات الرقيقة رأسمالها الاجتماعي والرمزي يذوب في الجماعة، آثرت الانزواء أو كادتْ تدخل طي النسيان.
The post سوسيولوجيا عائلات مدينة الجديدة .. الرأسمال الرمزي والذاكرة الحية لـ"مازغان" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.




