... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
159628 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8030 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

 سوريات يواجهن الاقتصاد الصعب بمهن غير تقليدية  

اقتصاد
عنب بلدي
2026/04/12 - 14:09 502 مشاهدة

عنب بلدي – محمد ديب بظت

في حي باب الفرج وسط مدينة حلب، وعلى رصيف مزدحم بالمارة والسيارات، تقف نور وآية خلف “بسطة” صغيرة مزودة بماكينة “إسبريسو”، تحضّران أكواب القهوة على عجل.

المشهد يبدو عاديًا في مدينة استعادت حركتها اليومية، لكنه يحمل في تفاصيله قصة عمل شاق ومسؤوليات ثقيلة دفعت شابتين إلى مهنة لم تكن ضمن خياراتهما يومًا.

منذ السادسة والنصف صباحًا حتى العاشرة مساء، تقف الفتاتان في مساحة ضيقة لا تتجاوز بضعة أمتار، تنظمان الطلبات، تتعاملان مع الزبائن، وتتابعان العمل لساعات طويلة تحت ضغط الشارع ونظرته، فـ”البسطة” الصغيرة أصبحت مصدر رزقهما الأساسي، ووسيلة للعيش في ظل ظروف اقتصادية صعبة فرضتها سنوات الحرب وما خلّفته من تغيرات في سوق العمل وأدوار الأسرة.

أعمال متعددة

لم يكن العمل في بسطة “الإكسبريس”، كما يسيمها الحلبيون، الخيار الأول لنور وآية، إذ تنقلتا بين أعمال مختلفة في محاولة لتأمين دخل يومي، ففي سنوات سابقة عملتا في “بسطة” لبيع البقدونس والخضراوات في منطقة باب جنين، قبل الانتقال إلى العمل الحالي، في تجربة تعكس طبيعة الحياة الاقتصادية في المدينة، حيث لم يعد العمل مرتبطًا بالتخصص أو الشهادة، بل بقدرة الشخص على إيجاد أي فرصة تؤمّن الحد الأدنى من الدخل.

هذا التنقل جاء نتيجة مباشرة لغياب فرص العمل المستقرة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع قدرة الأسرة على تأمين احتياجاتها الأساسية، ما دفع كثيرًا من الشابات إلى العمل في مهن بسيطة أو غير تقليدية.

مسؤوليات ثقيلة

نور، خريجة كلية الاقتصاد بجامعة “حلب” منذ عام 2016، وجدت نفسها مضطرة لدخول سوق العمل من باب المهن البسيطة، بعد أن فقدت الأمل بالحصول على وظيفة تتناسب مع شهادتها، إذ إن الحرب وما تبعها من انهيار اقتصادي قلّصت فرص التوظيف، فيما أصبحت الأجور في القطاعين العام والخاص غير كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية.

إلى جانب ذلك، تتحمل نور مسؤولية إعالة عائلتها، خاصة مع وجود أخت مريضة بتصلب اللويحات الدماغي، وهو مرض يتطلب متابعة طبية مستمرة ومصاريف إضافية، ما جعل العمل ضرورة يومية لها ولعائلتها.

يومها يبدأ مبكرًا بتحضير ماكينة “الإسبريسو” وتنظيم المواد، ثم استقبال الزبائن الذين يتوافدون بشكل متقطع طوال اليوم، وتروي نور خلال حديثها لعنب بلدي أن ضيق المكان، وساعات العمل الطويلة، والوقوف المستمر، كلها تفاصيل أصبحت جزءًا من حياتها اليومية، لكنها ترى في العمل وسيلة للبقاء وتحقيق الاستقلالية.

وقالت نور، إن العمل في الشارع لم يكن سهلًا في البداية، خصوصًا مع نظرة المجتمع إلى عمل النساء في أماكن عامة، لكنها تمكنت مع الوقت من التأقلم، وأصبحت أكثر قدرة على التعامل مع الزبائن والضغط اليومي، معتبرة أن الحاجة الاقتصادية فرضت عليها الاستمرار رغم الصعوبات.

إعالة الإخوة وتأمين الإيجار

آية تواجه ظروفًا مشابهة، إذ تتحمل مسؤولية إعالة إخوتها ودفع إيجار البيت في حي الميسر، ما جعل العمل في “بسطة الإسبريسو” خيارًا ضروريًا لتأمين دخل يومي ثابت نسبيًا.

تبدأ يومها في الوقت نفسه تقريبًا، وتستمر حتى المساء، في عمل يتطلب جهدًا بدنيًا ونفسيًا كبيرًا، خاصة مع التعامل المستمر مع الزبائن والشارع، فالمساحة الضيقة والزحام يضيفان ضغطًا إضافيًا، لكن الحاجة لتأمين مصاريف البيت تجعل الاستمرار ضرورة.

العمل في الشارع، بحسب آية، علمها الصبر والقدرة على إدارة الوقت والتعامل مع الناس والاعتماد على الذات، لكنها أشارت إلى أن التحدي الأكبر يبقى في النظرة الاجتماعية والمضايقات التي قد تواجهها النساء العاملات في الأماكن العامة.

مفرزات الحرب

قصة نور وآية منتشرة في سوريا، إذ دفعت سنوات الحرب، والانهيار الاقتصادي، وغياب المعيل لدى كثير من الأسر، عددًا متزايدًا من النساء إلى دخول سوق العمل في مهن لم تكن مألوفة سابقًا، مثل العمل في “دكان صغير”، أو كما حصل مع الشابتين.

فقدان المعيل خلال الحرب، أو تراجع دخل الأسرة، وارتفاع الإيجارات، وزيادة تكاليف المعيشة، كلها عوامل أسهمت في تغيير طبيعة العمل النسائي، حيث أصبحت النساء أكثر حضورًا في “البسطات” والمحال والأعمال الخدمية.

العمل لم يعد خيارًا مرتبطًا بالاستقلالية فقط، بل تحول إلى وسيلة للبقاء، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الحياة اليومية، ما جعل كثيرًا من النساء يتحملن مسؤوليات كانت في السابق تقع على عاتق الرجل.

تحديات النظرة المجتمعية

رغم تزايد حضور النساء في سوق العمل، لا تزال النظرة المجتمعية تشكّل ضغطًا إضافيًا على العاملات في الشارع، خصوصًا في المهن التي تتطلب التعامل المباشر مع الزبائن.

بعض النساء يواجهن تعليقات أو نظرات تحمل حكمًا مسبقًا، فيما يضطررن إلى التكيف مع هذه البيئة للحفاظ على مصدر دخلهن، ويشكّل هذا التحدي الاجتماعي جزءًا من الضغط النفسي اليومي، ويجعل العمل أكثر صعوبة من الناحية المعنوية.

في الوقت نفسه، بدأ المجتمع يتقبل تدريجيًا عمل النساء في المهن غير التقليدية، خاصة مع إدراك الظروف الاقتصادية التي دفعت كثيرًا منهن إلى العمل، ما خلق نوعًا من التوازن بين الحاجة الاقتصادية والنظرة الاجتماعية.

التحرش والمضايقات

العمل في الشارع يضع النساء أمام تحديات إضافية، أبرزها المضايقات أو التحرش اللفظي، وهي مشكلة تواجه العديد من العاملات في أماكن عامة، خصوصًا في البيئات غير المنظمة، كما قالت نور.

كثير من النساء يفضّلن الصمت أو تجاهل هذه التصرفات خوفًا من فقدان العمل أو التعرض لمشكلات إضافية، في ظل غياب آليات حماية واضحة أو قوانين تطبق بشكل فعلي.

لا تبدو قصة نور وآية بعيدة عن المؤشرات العامة لعمل النساء في سوريا، إذ تشير بيانات صادرة عن منظمات أممية وحقوقية إلى أن النساء يتجهن إلى قطاعات الخدمات أو الأعمال غير المستقرة، في ظل محدودية فرص التوظيف وارتفاع التحديات الاقتصادية، ما يعكس حجم الضغوط التي تدفع النساء إلى العمل في المهن اليومية لتأمين متطلبات المعيشة.

هذا الواقع يجعل العمل في الشارع أكثر تعقيدًا، حيث لا يقتصر التحدي على الجهد البدني أو ساعات العمل الطويلة، بل يشمل أيضًا التعامل مع بيئة قد تكون غير آمنة نفسيًا.

العمل كوسيلة للبقاء

في ظل هذه الظروف، يصبح العمل بالنسبة لنور وآية، ولغيرهما من النساء، وسيلة للحفاظ على الاستقرار المعيشي وتأمين احتياجات الأسرة.

كل يوم عمل، وكل ساعة تقفان فيها خلف “البسطة”، تعني قدرة أكبر على دفع الإيجار وشراء الطعام، أو تأمين الدواء، وهو ما يجعل الاستمرار ضرورة رغم الصعوبات.

العمل في “بسطة” صغيرة على رصيف مزدحم يعكس تحولات عميقة في المجتمع، حيث أصبحت النساء جزءًا أساسيًا من معركة البقاء الاقتصادي.

تعكس تجربة نور وآية جزءًا صغيرًا من واقع آلاف النساء السوريات اللواتي اضطررن للعمل ضمن ظروف صعبة وغير مألوفة، لضمان استمرار أسرهن في مواجهة تداعيات الحرب والانهيار الاقتصادي.

ورغم التحديات اليومية، بما في ذلك ساعات العمل الطويلة وضغوط المجتمع، تواصل النساء أداء أدوارهن الاقتصادية والاجتماعية، مساهمات بصمت في صمود الأسر والمجتمعات المحلية.

هذا الواقع يؤكد أن عمل المرأة في سوريا اليوم لا يقتصر على كونه مجرد وظيفة أو مصدر دخل، وإنما أصبح عنصرًا أساسيًا في إعادة بناء الحياة اليومية بعد سنوات من الحرب، ما يجعل قصصهن شهادة حية على مواجهة ظروف استثنائية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤