رأى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن قرار رفع تصنيف سوريا، بعد سبعة وأربعين عاماً من التصنيف الذي وضع الاقتصاد السوري في خانة العزلة المالية، يشكل نقطة تحول يمكن وصفها بأنها انتقال من اقتصاد يعمل تحت “عقوبة العزلة” إلى اقتصاد يمتلك فرصة واقعية لإعادة بناء علاقاته مع العالم.
وأكد أن هذا التحول لا يعني التعافي الفوري، لكنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن تعيد تعريف الاقتصاد السوري نفسه، وتمنحه القدرة على جذب استثمارات نوعية تتجاوز إعادة الإعمار إلى بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة إقليمياً.
فرصة الانفتاح
طوال عقود، كان التصنيف يشكل حاجزاً أمام التعاملات المالية والتجارية مع سوريا، ويزيد تكاليف الشحن والتأمين، ويحدّ من قدرة الشركات الأجنبية على الدخول إلى السوق السوري، ورأى قوشجي أن رفع هذا التصنيف يزيل واحدة من أكبر العقبات التي كبّلت الاقتصاد، ويتيح له الانتقال من بيئة عزلة إلى بيئة انفتاح مشروط، تتطلب إصلاحات داخلية كي تتحول إلى مكاسب حقيقية.
وأضاف: تفتح إزالة هذا الحاجز المجال أمام إعادة بناء العلاقات المصرفية، وتسهيل التحويلات، وتوقيع عقود طويلة الأجل، ودخول شركات التمويل والاستثمار، بما يعيد الثقة تدريجياً بالاقتصاد السوري ويمنحه فرصة لاستعادة دوره في المنطقة.
الطاقة والنقل والصناعة في مقدمة القطاعات المستفيدة
يعدّ قطاع الطاقة الشرط الأول لأي عملية نهوض اقتصادي، إذ إن رفع التصنيف يتيح دخول شركات لإعادة تأهيل الحقول، وتطوير شبكات الكهرباء، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وهو ما ينعكس مباشرة على الصناعة والزراعة والخدمات.
وفي قطاع النقل والمرافئ، فإن انخفاض تكاليف التأمين والشحن يجعل المرافئ والطرق والسكك الحديدية والمطارات جاهزة لاستقبال استثمارات مباشرة، بما يعزز التجارة ويخفض تكاليف الإنتاج.
أما الصناعات التحويلية والغذائية والدوائية والنسيجية، فيمكن أن تكون من أوائل القطاعات القادرة على جذب شراكات إنتاجية، خاصة مع توفر المواد الأولية والتقنيات الحديثة.
في المقابل، يمتلك القطاع الزراعي قدرة سريعة على النمو إذا توفرت التقنيات والتمويل، خصوصاً في مجالات الري الحديث والبذور المحسنة والصناعات الزراعية، بينما يبقى قطاع الاتصالات والتكنولوجيا قادراً على جذب استثمارات نوعية، وتطوير البنية الرقمية، ودعم التحول نحو اقتصاد أكثر إنتاجية.
أما قطاعا الإسكان وإعادة الإعمار، فتوقع أن يشهدا اهتماماً كبيراً، لكن قوشجي رأى أنه يجب أن يكونا جزءاً من رؤية إنتاجية شاملة لا تقتصر على البناء، بل تمتد إلى إيجاد قيمة مضافة.
فرصة لإعادة تعريف الاقتصاد
وأشار قوشجي إلى أن رفع التصنيف لا يعني إزالة عقبة فقط، بل يتيح فرصة لإعادة تعريف الاقتصاد السوري نفسه، فالمرحلة المقبلة يمكن أن تكون انتقالاً من اقتصاد قائم على التعويض وإعادة البناء إلى اقتصاد قائم على الإنتاجية، يعتمد على التكنولوجيا والطاقة المتجددة والصناعة ذات القيمة المضافة والزراعة الحديثة.
ولكي يصبح الاقتصاد السوري قادراً على المنافسة إقليمياً، لا بد من تخفيض تكاليف الإنتاج، وتحسين البنية التحتية، وتحديث التشريعات، وتطوير القطاع المصرفي، وتوفير ضمانات قانونية للمستثمرين.
مذكرات التفاهم إلى مشروعات تنفيذية
كان التصنيف يشكل عائقاً أمام تنفيذ مذكرات التفاهم الموقعة مع دول وشركات عديدة، بينما يفتح رفعه الباب أمام تحويل هذه المذكرات إلى عقود تنفيذية، عبر دخول شركات التمويل، وتفعيل خطوط الائتمان، وتسهيل التعاقدات.
لكن التنفيذ يحتاج، حسب قوشجي، إلى بيئة قانونية واضحة، ومؤسسات قادرة على إدارة المشروعات، وشفافية في التعاقد، وضمانات للمستثمرين، محذراً من أنه من دون هذه الشروط تبقى المذكرات حبراً على ورق.
وأكد قوشجي أن قدرة الاقتصاد السوري على الاستجابة والنهوض موجودة، لكنها مشروطة بإصلاحات داخلية حقيقية، تبدأ بإصلاح القطاع المصرفي عبر تحديث التشريعات، وتعزيز الحوكمة، وتطوير أدوات التمويل الإنتاجي، وربط المصارف بالشبكات الدولية.
كما تتطلب المرحلة تحديث البيئة الاستثمارية من خلال نافذة موحدة، وتبسيط الإجراءات، وتوفير ضمانات قانونية، ومكافحة الفساد الإداري، إلى جانب تحقيق استقرار سعر الصرف، إذ لا يمكن لأي مستثمر أن يدخل سوقاً غير مستقر نقدياً.
وأضاف: إن إصلاح قطاع الطاقة يمثل ضرورة أساسية، لأنه من دون طاقة مستقرة لا يمكن للصناعة أو الزراعة أن تنهض، بالتوازي مع إطلاق برنامج وطني للإنتاج يركز على الصناعات التحويلية والزراعة الحديثة والتكنولوجيا والخدمات ذات القيمة المضافة.
التعافي يحتاج إلى سنوات
وحسب تقديرات قوشجي، فإن المدى القصير، الممتد بين سنة وسنتين، قد يشهد تحسناً تدريجياً بتوفر السلع، وانخفاض تكاليف الإنتاج، ودخول شركات صغيرة ومتوسطة، وتحسناً نسبياً في الخدمات.
أما في المدى المتوسط، بين ثلاث وخمس سنوات، فيتوقع تنفيذ مشروعات في الطاقة والنقل، ودخول استثمارات صناعية وزراعية، وإجداث تحسن واضح في فرص العمل، واستقرار نسبي في سعر الصرف.
وفي المدى الطويل، الممتد بين خمس وعشر سنوات، يمكن أن يشهد الاقتصاد تحولاً هيكلياً، وزيادة في الإنتاجية، وقدرة على المنافسة إقليمياً، وتحسناً ملموساً في مستوى معيشة المواطن.
وأكد أن هذه المدة تعتمد على سرعة الإصلاح الداخلي أكثر من القرار الخارجي.
المواطن هو الاختبار الحقيقي
وفي حال أُديرت المرحلة بشكل صحيح، فإن انعكاس هذا التحول على المواطن يمكن أن يظهر من خلال تحسن تدريجي في الأسعار، وتوفر السلع بجودة أفضل، وزيادة فرص العمل، وتحسن الخدمات، وارتفاع الدخل الحقيقي، واستقرار نقدي يخفف الأعباء المعيشية.
وخلص قوشجي إلى أن رفع التصنيف هو بداية الطريق وليس نهايته، فهو فرصة لإعادة تعريف الاقتصاد السوري، وبناء اقتصاد سليم قادر على الإنتاج والمنافسة، وجذب استثمارات نوعية، وتحويل المذكرات إلى مشروعات، وتحسين حياة الناس، لكن النجاح يعتمد على الإصلاح الداخلي، من تشريعات وقطاع مصرفي وطاقة وشفافية واستقرار نقدي.
وختم قوشجي بالقول: إن هذه “لحظة تاريخية” يمكن أن تعيد سوريا إلى موقعها الاقتصادي الطبيعي، إذا ما استُثمرت بوعي ورؤية واضحة.



