سوريا وأوروبا وترتيب الطاولة الدبلوماسية
في لحظات التحول الكبرى، لا تقاس أهمية الزيارات السياسية بما تسفر عنه من اتفاقيات فورية، بقدر ما تقاس بقدرتها على كسر الجمود وفتح نوافذ جديدة للتفكير، ومن هذا المنطلق، تعد زيارة الرئيس أحمد الشرع المقرر أن تبدأ يوم غد الإثنين إلى كل من ألمانيا وبريطانيا، أكثر من مجرد تحرك دبلوماسي عابر؛ لتشكل اختباراً حقيقياً لإرادة الأطراف كافة في مغادرة دائرة إدارة الأزمة، والدخول (ولو بخطوات أولى) في مسار البحث عن بدائل قابلة للحياة.
لسنوات طويلة، ظل التعامل مع الملف السوري محكوماً بمنطق الاحتواء لا الحل، وبسياسات تجنب المخاطر بدل معالجتها، وأوروبا التي وجدت نفسها في قلب تداعيات الأحداث السورية قبل خمسة عشر عاماً، عبر موجات اللجوء، اختارت في معظم الأحيان إدارة النتائج بدل التأثير في الأسباب، وفي المقابل، بقيت دمشق أسيرة معادلات معقدة، توازن بين ضرورات الداخل وضغوط الخارج، من دون أن تتمكن من فتح قنوات فاعلة مع العواصم الأوروبية الكبرى.
اليوم، تطرح زيارة الرئيس الشرع إلى كل من ألمانيا وبريطانيا سؤالاً جوهرياً.. هل نحن أمام بداية تحول حقيقي في طبيعة العلاقة بين سوريا وأوروبا، أم إنه مجرد خطوة استكشافية أخرى تضاف إلى سجل من المحاولات الحذرة؟ الإجابة لا تكمن في البيانات المشتركة أو الصور الرسمية، بل في مدى استعداد الأطراف لإعادة تعريف مصالحها، والخروج من القوالب التقليدية التي أثبتت محدوديتها.

إذا نجحت هذه الزيارة في إحداث اختراق كما هو متوقع (ولو محدوداً) فإنها قد تؤسس لمرحلة جديدة تقوم على مقاربة أكثر واقعية، تعترف بتعقيدات المشهد بدل القفز فوقها، أما إذا بقيت في إطار الإشارات السياسية، فإنها ستعكس استمرار حالة التردد الأوروبي، وغياب رؤية واضحة لكيفية التعامل مع سوريا خارج منطق العقوبات والاشتراطات الصارمة.
لكن، حتى مع احتمال السيناريو الأخير، لا يمكن التقليل من أهمية الزيارة لجهة التوقيت، فالمنطقة تعيش مرحلة إعادة تشكل، والتحالفات التقليدية لم تعد ثابتة كما كانت، فبينما تتزايد الحاجة إلى مقاربات مرنة تستجيب لمتغيرات سريعة، وفي هذا السياق، تصبح الرسائل التي تحملها الزيارة (سواء كانت مباشرة أم ضمنية) ذات وزن لا يقل عن أي نتائج ملموسة.
من الطبيعي، ألا تغير زيارة واحدة قواعد اللعبة، لكنها قادرة على إعادة ترتيب الطاولة، وهذا بحد ذاته تطور مهم، إذا ما أحسن البناء عليه، فبين إدارة أزمة مستمرة منذ سنوات، وبناء مسارات بديلة لمستقبل مختلف، تقف زيارة الرئيس الشرع كفرصة مفتوحة، إما أن يتم استثمارها، أو تضاف إلى أرشيف الفرص الضائعة.
الوطن- أسرة التحرير
