سوريا والأردن.. حين تتحول الجغرافيا إلى رافعة تكامل سياسي واقتصادي
الوطن- أسرة التحرير
لم يعد التقارب السوري- الأردني حدثاً بروتوكولياً يُقرأ في سياق استعادة العلاقات فحسب، بل بات مؤشراً سياسياً على تحول أعمق في مقاربة الدولتين لمفهوم الشراكة، من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص.
فالدورة الثانية لمجلس التنسيق الأعلى لم تُنتج مجرد اتفاقيات، بل أطلقت مساراً سياسياً يعكس نضجاً في قراءة التحولات الإقليمية، وإدراكاً بأن “من لا يصنع موقعه في الجغرافيا، تصنعه الجغرافيا على هامشها”.

هذا التحول لا يمكن فصله عن مراجعة واقعية لسنوات القطيعة والجمود، التي أثبتت أن تكلفة الانفصال أعلى بكثير من تكلفة التنسيق، وأن الحدود ليست خطوط فصل بقدر ما هي مساحات تفاعل.
ومن هنا، فإن الانتقال من منطق “إدارة الحدود” إلى “استثمار الحدود” يشكل جوهر المرحلة الجديدة، حيث تتحول الجغرافيا المشتركة إلى منصة عبور للطاقة والتجارة والمصالح المتبادلة.
سياسياً، يشي هذا التقارب بإعادة تموضع محسوبة في الإقليم، حيث تتجه دمشق وعمان إلى بناء محور توازن هادئ، لا يقوم على الاستقطاب بل على البراغماتية السياسية.
فالتفاهمات حول ملفات الأمن، ولا سيما مكافحة التهريب وضبط الحدود، تعكس تقاطعاً في تعريف التهديدات، وهو ما يشكل القاعدة الصلبة لأي شراكة مستدامة.
وكما تقول الحكمة القديمة: “الأمن أول العمران”، فلا تنمية بلا استقرار، ولا استقرار بلا تنسيق سيادي عميق.
أما اقتصادياً، فإن المشاريع المطروحة، من إحياء سكة حديد الحجاز إلى تفعيل خط الغاز العربي والربط الكهربائي، تتجاوز بعدها الخدمي إلى كونها أدوات لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة، فالأردن، بحكم موقعه، يشكل بوابة نحو الخليج العربي والبحر الأحمر، فيما تمثل سوريا عقدة وصل نحو المتوسط وأوروبا، ما يفتح الباب أمام معادلة تكاملية قادرة على استعادة دور البلدين كممرين استراتيجيين في حركة التجارة الإقليمية.
وفي البعد الإقليمي، يأتي هذا التقارب في لحظة إعادة تشكيل التوازنات، حيث تتراجع حدة الاستقطاب لصالح مقاربات أكثر مرونة.
وهنا، يكتسب الموقف المشترك الرافض للاعتداءات الإسرائيلية، والداعي إلى التهدئة، دلالة سياسية تتجاوز الخطاب إلى محاولة إنتاج دور فاعل في هندسة الاستقرار، لا الاكتفاء بردود الفعل.
وبالتالي، فإن ما يجري بين سوريا والأردن هو انتقال من “تنسيق الضرورة” إلى “تكامل الإرادة”، وإذا ما كُتب لهذه التفاهمات أن تُترجم إلى مشاريع ملموسة، فإن البلدين قد يقدمان نموذجاً عربياً يعيد الاعتبار لفكرة التكامل، بوصفها خياراً سياسياً قبل أن تكون حاجة اقتصادية، ويثبتان أن “الجار قبل الدار” ليست مجرد حكمة شعبية، بل قاعدة في علم السياسة أيضاً.





