لمى قنوت
شكّل العدوان الإسرائيلي على مطار “أبو الظهور” العسكري، في 18 من آب الحالي، الذي يبعد نحو 70 كيلومترًا عن الحدود التركية، فصلًا جديدًا من فصول إخضاع سوريا وسيادتها للهيمنة والشروط الإسرائيلية، ونمطًا من حروب الاحتلال المتواصلة بعد 7 من تشرين الأول 2023.
ومن منظور مناهض للاستعمار، لا تقتصر قراءة العدوان على المطار بوصفه تحذيرًا واضحًا بعدم السماح لأي تموضع عسكري لتركيا على الأراضي السورية، يعتبره نتنياهو، كما صرح، تهديدًا مباشرًا لإسرائيل، بل هو استعداد للتعامل مع تركيا بوصفها تهديدًا استراتيجيًا متصاعدًا، وذلك بحسب تقرير لجنة “فحص ميزانية الأمن وبناء القوة” المعروفة بلجنة “ناغل”، وإرساء لمعادلة قديمة- جديدة تجعل من سوريا مسلوبة السيادة، وضعيفة عسكريًا، يُمنع عنها بناء قدراتها، والتحكم في أجوائها، والمطالبة بتحرير جولانها وجميع أراضيها، ويضغط على السلطة الانتقالية لتقوم تلقائيًا بدور وظيفي، تُمرر فيه ثقافة “الحياد” السياسي والقانوني.
بدأت صيرورة الصدام الإسرائيلي ضد النفوذ التركي على الأراضي السورية في 2 من نيسان 2025، حيث شن الاحتلال هجمات على ثلاثة مطارات سورية، مطار “4T” العسكري وهو أكبر المطارات العسكرية، ومطار “القصير” العسكري أو ما يطلق عليه مطار “الضبعة” العسكري، والمطار الثالث هو قاعدة “الشعيرات” الجوية، وذلك إثر معلومات استخباراتية إسرائيلية عن دخول فرق عسكرية تركية وشاحنات إلى قواعد عسكرية وبضمنها مطار “4T”، والحديث عن أن تركيا مهتمة بتركيب أنظمة دفاع جوي من أجل استخدامها، وتحويله إلى قاعدة للطائرات دون طيار. والوجود التركي في مطار “أبو الظهور” هو الذريعة التي استخدمتها إسرائيل لشن عدوانها، بينما نفت وزارة الدفاع التركية وجود أي “بعثة عسكرية” في المطار، لا قبل الهجوم ولا بعده، وأشار الشيباني لـ”أكسيوس” بعد العدوان، إلى أن العمل في المطار اقتصر على إعادة تأهيل جزئي لمنشآته التي تضررت خلال الحرب، ولا توجد نية لإنشاء قاعدة أو تمركز قوات تركية فيه، وقد زار المطار ضباط أتراك قبل العدوان كجزء من “التعاون العسكري المستمر في مجالات التدريب وتبادل الخبرات” مع العديد من البلدان، وبضمنهم تركيا، ولا تزال السلطة الانتقالية مهتمة بالوصول إلى “اتفاق مع إسرائيل لخفض التصعيد على الحدود بين البلدين”، ويعملون عليه منذ عام، بوساطة ترامب، وبعد أن توصلوا إلى صيغة اتفاق أمني، “تراجعت إسرائيل لاحقًا عن التزاماتها”، ولم تنفذها على أرض الواقع، بحسب ما صرح به الشيباني.
ومن زاوية أوسع، فإن العدوان الإسرائيلي على مطار “أبو الظهور” وقع ضمن فضاء جغرافي أوسع، حيث إبادة جماعية في قطاع غزة، وتطهير عرقي في الضفة الغربية، واحتلال أراضٍ في كل من جنوبي لبنان وسوريا، وهو فضاء تحتكر فيه إسرائيل سلطة تعريف ما يهدد أمنها، وما يعد حقًا سياديًا مشروعًا للآخرين. ومن جهة أخرى، يتم ذلك، في ظل تحولات جيوسياسية في المنطقة بعد الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران، تتحرك فيها تركيا ضمن سوريا، وسط إعادة تموضع إقليمي أوسع، وتعتبر أمنها، وفق أردوغان، “لا يبدأ من هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت”، ويتقاطع ذلك مع تحالفها الدفاعي الثلاثي، مع كل من باكستان والسعودية، ورغبتهم في بناء نظام إقليمي للأمن الجماعي، ضمن اتفاقية “مكة للدفاع المشترك”، وهي اتفاقية تعزز قدرات تركيا الأمنية الإقليمية الاستراتيجية، وعلى ما يبدو فإنها، أي الاتفاقية، استفزت نتنياهو وحكومته، وسرعت عدوانهم على المطار الخارج عن الخدمة منذ عام 2013، ويُستخدم حاليًا كمقر لتدريب الجيش السوري الجديد بعد سقوط نظام الأسد.
الدور الأمريكي كوسيط عملياتي
في منتصف آب الحالي، ورد تقرير في “القناة 13” الإسرائيلية، بأن ترامب رفض طلبًا إسرائيليًا بشن ضربات على سوريا، وهو ما فسرته القناة بأنه مزيد من التدهور في العلاقات بين البلدين، فيما ذُكر أن إسرائيل أبلغت البيت الأبيض بنيتها شن هجوم قبل استهداف مطار “أبو الظهور” بهدف ردع تركيا عن تزويد المطار بشحنة منظومات عسكرية ومنع تمركزها فيه، بينما كانت دمشق ترسل رسائل لإسرائيل تشرح فيها بأن تأهيل مدرج المطار لا يحمل نيات عدائية تجاهها، وبنفس الوقت، وقبل العدوان بأربعة أيام، أي في 14 من آب، أفادت وكالة “رويترز” بأن رئيس الموساد، رومان جوفمان، أجرى مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ناقشا فيها الوجود والدعم العسكري التركي في سوريا، وبعد العدوان، وصف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توم برّاك، العدوان على قاعدة المطار بأنه “تصعيد غير مبرر لا يعزز الاستقرار الإقليمي”، وينذر بـ”مواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا”، باعتبار أن تركيا لم تتلقَّ إخطارًا مسبقًا بالهجوم الإسرائيلي، وأنها، أي واشنطن، بصدد إنشاء آلية لتفادي الصدام بين إسرائيل وتركيا وسوريا.
المفارقة في الدور الأمريكي، إن صح أنه قيّد حركة نتنياهو في ضرب سوريا بالبداية فقط ولم يمنعها لاحقًا، هي أنها تجاوزت موضوع العدوان على سوريا، كدولة ذات سيادة، وانتقلت بوصفه خطرًا على العلاقة بين إسرائيل وتركيا، بمعنى أن سوريا ما زالت مجالًا تُدار داخله علاقات القوى الإقليمية والدولية، وتحول الدور السياسي لواشنطن إلى دور وسيط عملياتي، ينظم التوازنات والاحتكاك بين تركيا واسرائيل، سواء عبر إنشاء آلية لتفادي الصدام أو غيرها، ما يعني أن العدوان الإسرائيلي لن يتوقف على سوريا.



