وفيما يتعلق بتحسين سبل العيش، كان أبرز ما أقدمت عليه الحكومة رفع رواتب العاملين في القطاع العام. فقد أصدر الرئيس أحمد الشرع مراسيم تقضي بمنح زيادة بنسبة 200 في المئة في يونيو/حزيران 2025، تلتها زيادة أخرى بنسبة 50 في المئة في مارس/آذار 2026. وأفضت هذه الإجراءات مجتمعة إلى رفع الحد الأدنى للأجور من 250 ألف ليرة سورية إلى مليون و256 ألف ليرة سورية، أي بزيادة إجمالية تجاوزت 400 في المئة. ونظرا إلى محدودية إيرادات الدولة وتعدد الاحتياجات، بدا كل من تسارع هذه الزيادات وحجمها لافتا.
لكن أثرها ظل محدودا. فحتى بالنسبة إلى المستفيدين، لا تزال هذه الزيادات غير كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية، وسرعان ما بددها التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. وتشتد هذه القيود خارج القطاع العام، حيث يبقى معظم السوريين خارج نطاق الاستفادة تماما. ومن دون تدابير أوسع لخلق فرص العمل، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتحقيق استقرار السوق، لم تقدم هذه السياسة سوى قدر محدود من الانفراج لبعضهم، وإسهام طفيف في مسار التعافي.
وينطبق النمط نفسه على الخدمات. فقد خففت الحكومة من نقص الخبز والوقود، والأهم أنها حسنت إمدادات الكهرباء. غير أن هذه المكاسب لم تترك سوى أثر محدود، إذ اقترنت بزيادات حادة في الأسعار بعد إلغاء الدعم. ففي المناطق التي كانت خاضعة سابقا لسيطرة النظام، ارتفعت أسعار الخبز بنحو عشرة أضعاف، فيما زادت تعريفة الكهرباء على نحو كبير، بين 60 و190 ضعفا، تبعا لمستويات الاستهلاك.
ويواجه كثير من السوريين اليوم مفارقة صارخة: فبينما غدت الخدمات أكثر توافرا، أصبحت في الغالب باهظة الكلفة. ونظرا إلى ضعف إيرادات الحكومة، بدا إنهاء نموذج الدعم القديم مفهوما. إلا أن طريقة إعادة هيكلة الأسعار لم تكن الخيار الوحيد، إذ كان من الممكن أن يخفف اتباع نهج تدريجي، مرتبط بنمو الدخل ومقترن بدعم موجه للفئات الأكثر ضعفا، من وطأة العبء الاجتماعي.
ويخضع الأمن لمنطق مماثل. فهو المجال الذي تستطيع فيه الحكومة الادعاء بتحقيق مكاسب جزئية مهمة، لكنه أيضا المجال الذي تتضح فيه حدود تلك المكاسب على نحو أكبر. ففي المراكز الحضرية الكبرى، ثمة مؤشرات إلى استقرار يومي أكبر، ويبدو أن معدلات الجريمة انخفضت في بعض المناطق. لكن لا ينبغي الخلط بين ذلك وبين ترسيخ الأمن على مستوى البلاد. فالأوضاع الأمنية لا تزال متفاوتة على نحو حاد بين المناطق، وبعضها ما زال عرضة لعدم الاستقرار المتكرر، والتوترات المحلية، والعنف الطائفي.
وتشير هذه الاتجاهات مجتمعة إلى خلاصة أوسع: فمشكلة الحكومة لا تكمن في غياب التقدم تماما، بل في أن المكاسب المحدودة تتآكل باستمرار بفعل أسلوب إدارة الدولة.
لذلك، فإن المشكلة الأعمق لا تكمن في أوجه القصور في قطاع بعينه، بل في نموذج الحكم نفسه. فخلال عامها الأول، برزت نقاط ضعف هيكلية في مختلف مجالات السياسة، وهو ما يفسر جزئيا بقاء المكاسب الفعلية محدودة.










