سوريا بين إعادة التموضع الإقليمي وانعدام الاستقرار الداخلي
تابع المقالة سوريا بين إعادة التموضع الإقليمي وانعدام الاستقرار الداخلي على الحل نت.
في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الانتقالية في سوريا عبر سياستها الخارجية، لإعادة تموضع إقليمية جديدة، وكسر عزلتها القديمة، إلا أنها على الصعيد الداخلي ما تزال غير مستقرة، بسبب ممارستها التي تهدف لاحتكار السلطة.
فبينما ينظر للمسار الخارجي خلال عام ونصف تقريبا على أنه حقق نجاحات، بداية من انهاء حالة العزلة لسوريا وملفات العقوبات وطي صفحات سوريا قديمة، إلا أن الملفات الداخلية شهدت اخفقات كبيرة انطلاقاً من مجازر الساحل مروراً بمجازر السويداء، وعشرات الملفات الأخرى لها علاقة بالحريات الشخصية.
إعادة التموضع الإقليمي
خلال العام ونصف الماضيين، نجحت الحكومة الانتقالية في دمشق في كسر جزء ملموس من عزلتها الخارجية، مستفيدة من تحولات إقليمية ودولية متسارعة.

وكان قرار الاتحاد الأوروبي في أيار/مايو 2025 الذي أقر برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، من ثم قرار الولايات المتحدة الأميركية، كما شهدت دمشق مطلع العام الجاري، لقاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مع الرئيس السوري أحمد الشرع،
كما رافق الانفتاح الخارجي، مشروع أخر لإدماج سوريا ضمن “اتفاقيات أبراهام”، وتُقدَّم هذه الخطوة بوصفها جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل توازنات المنطقة، عبر إنشاء “محور معتدل” يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، في مواجهة النفوذ الإيراني وأذرعها في المنطقة.
وعلى الصعيد الإقليمي، لم تلعب سوريا أي دور سلبي في الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد إيران، على خلاف نظام الأسد، بل فتحت سوريا اليوم مجالها الجوي لتنفيذ الطيران الإسرائيلي ضرباته في العمق الإيراني، وهذا ما يمكن وصفه بـ“الحياد الحذر”، مؤكدة أنها لا تسعى للانخراط في الصراعات الإقليمية ما لم تُفرض عليها.
ويشير تقرير صادر عن مركز “ألما” الإسرائيلي للأبحاث إلى أن ما “تصفه دمشق بإجراءات ضبط الحدود، خاصة مع لبنان، لا يعكس تحولاً في التموضع بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تنظيم المشهد القائم”.
ويورد التقرير أن هذه الخطوات لا تعني إنهاء دور “محور المقاومة”، بل إن “الإجراءات المتخذة لا تقضي على نشاط المحور، بل تسعى إلى تنظيمه وإدارته”، في إشارة إلى استمرار شبكات التهريب والارتباطات العابرة للحدود، لا سيما باتجاه منطقة البقاع.
وترى مراكز أبحاث إسرائيلية أن تعزيز الانتشار العسكري على الحدود، التي انتهجت السلطات السورية خلال الحرب الإيرانية سواء في الجنوب أو على الخط اللبناني، يعكس صراعاً خفياً على السيطرة على هذه المسارات، أكثر مما يعكس استعادة كاملة للسيادة.
عملية دمج الفصائل خلق “دولة هجينة”
في مقابل الحراك الخارجي، تكشف الصورة داخل سوريا عن بنية دولة هشّة، ويرى مركز “ألما”، أن دمج الميليشيات والجماعات المسلحة في مؤسسات الدولة -الأمنية والعسكرية- دون عملية منظمة لنزع السلاح والفحص والإشراف، يؤدي إلى خلق “دولة هجينة”، والنتيجة هي غياب احتكار استخدام القوة، وهو شرط أساسي لوجود دولة مستقرة، وطالما استمر هذا الوضع، فإن القدرة على تحقيق استقرار طويل الأمد ستظل محدودة”.
كما أن هذا التخوف لا يقتصر على البعد الأمني، بل يمتد إلى المجال السياسي والاجتماعي، حيث تتنافس تلك القوى المحلية على النفوذ والموارد، في ظل ضعف القدرة المركزية على الضبط.
ويرى محللون أن المشكلة في سوريا لا تقتصر على غياب الاستقرار فقط، بل أن طبيعة السلطة الجديدة لم تتبلور بعد بشكل واضح خاصة أنها مبنية على فصائل وتيارات متعددة، ومطلوب منها الآن أن تصبح كيان واحد.
غياب الاستقرار الداخلي
معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، يرى أن الشرع حاول استغلال الحملة الإسرائيلية ضد إيران و”حزب الله” لزيادة قواته وإلحاق الضرر بالدروز، ما دفع إسرائيل إلى توجيه رسائل تحذيرية إلى دمشق بعدم استغلال الوضع.
وبالنظر إلى الشأن الداخلي وخاصة محافظة السويداء، فإنها تكشف عن حالة توتر متصاعدة مع الحكومة الانتقالية الجديدة.
إذ شهدت السويداء في 11 نيسان/أبريل الجاري، مظاهرات في ساحة الكرامة، حملت مطالب سياسية واضحة، من بينها دعم الشيخ حكمت الهجري، والدعوة إلى تقرير المصير، وطرح قضايا المفقودين، اللافت في هذه الاحتجاجات لم يكن مضمونها فقط، بل رموزها أيضاً، حيث “رُفعت أعلام ولافتات تحمل صور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب صور الشيخ الهجري والشيخ موفق طريف”.
وبالعودة لأسباب هذا الانقسام، نجد أن ممارسات الحكومة الانتقالية دفعت بالدروز لإيجاد بديل يحميهم، إذ شهدت المحافظة مجازر مروعة في تموز/يوليو الماضي بعد ارتكاب عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية التابعة لحكومة الشرع، إلى جانب مجموعات من عشائر البدو، أعمال عنف واسعة استهدفت أبناء الطائفة الدرزية، وأسفرت -وفق تقديرات متداولة- عن سقوط نحو 1500 ضحية.
وفي الوقت الذي يكشف فيه الشرع عن مفاوضات بين دمشق وتل أبيب وإمكانية عودتها بعد أن توقفت مطلع العام الجاري، إلا أن الوقائع على الأرض تشكك بمدى جدية السلطة، إذ شهدت عدة مدن سورية خلال الشهر الماضي، مظاهرات مناوئة لإسرائيلية وتوعد من جماعات مسلحة بشن هجمات على إسرائيل رداً على قرارات بحق الأسرى الفلسطينيين، لتطور فيما بعد تلك الاحتجاجات وتصل لاعتداءات على سفارة دولة الإمارات، وكان قد سبقها اساءات لمصر، انتهت باعتذار الخارجية السورية.
ويرى محللون أن هذا المشهد يظهر مدى هشاشة سيطرة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على الجماعات المسلحة في سوريا، وعدم القدرة على ضبط تحركات الشارع.
ويقول تقرير مركز “ألما” أن هناك استمرار لنشاط القوى المرتبطة بالمحور الإيراني داخل سوريا، حيث “الإجراءات المتخذة لا تقضي على نشاط المحور، بل تسعى إلى تنظيمه وإدارته”.
كما يبرز البعد الأمني كعامل في زعزعة الاستقرار، إذ أعلنت وزارة الداخلية السورية في 11 نيسان/أبريل الجاري، “إحباط محاولة اغتيال شخصية دينية يهودية باستخدام عبوة ناسفة”، مع توقيف أفراد الخلية، الذين تشير المعطيات إلى ارتباطهم بجهات تابعة لـ“حزب الله”، رغم نفي الأخير، وهذه الحادثة تكشف مدى الاختراق الأمني، وتؤكد صعوبة ضبط الفاعلين على الأرض.
مطالب شعبية واعتصامات
كما شهدت دمشق مؤخراً اعتصام “قانون وكرامة”، احتجاجاً على تردي الأوضاع المعيشية وغياب العدالة الانتقالية والعمل السياسي، مع دعوات لتنظيم تحركات مماثلة في الرقة، الأسبوع المقبل.
كل تلك التحركات تعكس واقعاً داخلياً متقلباً، حيث تتقاطع الاحتجاجات، والانقسامات المجتمعية، والاختراقات الأمنية، في مشهد يصعب معه الحديث عن استقرار فعلي في سوريا على المدى القريب.
كما أن القرارات الأخيرة في دمشق حول “المشروبات الروحية، والحجاب، والمكياج” تعكس مؤشرات أعمق على طبيعة التحولات الجارية داخل المجتمع والدولة، ففي نهاية آذار/مارس الماضي، أصدرت السلطات قراراً يقضي بحظر بيع الكحول في معظم أنحاء العاصمة، وحصرته الأحياء ذات الأغلبية المسيحية (باب توما- القصاع)، حيث لا يُسمح بشراء الكحول إلا في زجاجات مغلقة في عدد محدود، هذا القرار على وجه التحديد عزّز الانقسامات بين السوريين، وطرح تساؤلات حول معايير المواطنة المتساوية، كما جعل غير المسلمين ينظرون للحكومة على أنها ليست جامعة لكل الشعب.
ويأتي هذا ضمن سياق أوسع من القيود الاجتماعية، تشمل توصيات بارتداء ملابس محتشمة على الشواطئ، وحظر التجمعات المختلطة بين الجنسين في المطاعم، وفرض قيود على توظيف الرجال في متاجر الملابس النسائية، بل وحتى حظر وضع المكياج على موظفي القطاع العام.
ورغم أن هذه الإجراءات تُقدَّم في إطار “تنظيمي” كما تدّعي الحكومة السورية الجديدة، فإنها تعكس مستوى متزايداً من تدخل السلطات في تفاصيل الحياة اليومية، بما يتجه نحو فرض مزيد من القيود على مجتمع سوري متنوع دينياً وطائفياً وإثنياً، وهو ما حذّر منه حقوقيون سوريون.
وتكشف هذه السياسات عن مفارقة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن الحريات الفردية، والممارسات الفعلية على الأرض، ما يشير إلى أن الأزمة في سوريا لا تقتصر على الأمن والسياسة، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية والهوية أيضاً.
ويرى معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن الشرع “قائدٌ محنكٌ وانتهازي”، ‘إذ يعمل ضمن هامش محدود للمناورة، متأثراً باعتبارات أيديولوجية وضغوط من قاعدته الشعبية. ونتيجةً لذلك، عليه أن يوازن بين البراغماتية الدبلوماسية وضرورة الحفاظ على الشرعية الداخلية.
وبالنسبة لإسرائيل لا يزال انعدام الثقة بالنظام عميق، لا سيما بالنظر إلى ماضي الرئيس الشرع والقاعدة الأيديولوجية الجهادية التي نشأ عليها.
بالعودة إلى ما حققته السلطة الجديدة في دمشق على الصعيدين الدولي والإقليمي، يمكن القول إنها تقدمت في ملفات عدة، وعلى رأسها إزالة العقوبات الأميركية والأوروبية المفروضة على سوريا منذ عقود، إلا أن هذا التقدم يُنظر إليه على أنه لم يكن نتيجة خبرتها بقدر ما كان نتيجة الحاجة الإقليمية لاحتواء القضية السورية بعد 14 عاماً، ومساعدة دول مجاورة، على رأسها تركيا والسعودية وقطر.
أما في الشأن الداخلي، فمن الملاحظ أن الحكومة الانتقالية الجديدة فشلت حتى الآن في عدة ملفات، على رأسها الحد من الانقسامات الطائفية والعرقية، بل زادتها، بالإضافة لفشلها في ترسيخ مبدأ العدالة الانتقالية التي ينتظرها السوريون منذ عقود، وعدم فسح مجال سياسي ناضل السوريون من أجله على مدار عقد ونصف.
- سوريا بين إعادة التموضع الإقليمي وانعدام الاستقرار الداخلي
- مانشستر سيتي أمام بيرنلي: فوز بفارق هدفين يكفي لاعتلاء الصدارة
- النصر يطرق باب النهائي الآسيوي من دبي أمام الأهلي القطري
- “الغضب الاقتصادي الأميركي” يطوّق العراق.. تعليق شحنات الدولار يهزّ السوق والعملة
- محامو الرقة يحتجون: النقابة تمارس “انتقاماً سياسياً”
تابع المقالة سوريا بين إعادة التموضع الإقليمي وانعدام الاستقرار الداخلي على الحل نت.





