سوريا.. إرث القضاء “المدجن” ومخاض الدستور الجديد!
المصدر: موقع 963+ | Source: موقع 963+تعاقبت مراحل متعددة في تاريخ سوريا الحديث بدا فيها أن البلاد تقترب من ترسيخ مفهوم “دولة القانون”، سواء عبر محاولات دستورية في بدايات الاستقلال، أو من خلال إصلاحات إدارية وقضائية رافقت تحولات سياسية مفصلية، أو حتى عبر فترات شهدت انفتاحاً نسبياً في عمل المؤسسات العامة.
فمنذ مرحلة ما بعد الاستقلال وصياغة الدساتير الأولى، مروراً بمحطات سياسية متلاحقة شهدت تغيرات في بنية الحكم، وصولاً إلى مراحل لاحقة طُرحت فيها شعارات الإصلاح والتحديث، ظل السؤال الجوهري مطروحاً حول مدى قدرة الدولة على تكريس استقلال القضاء، وتفعيل مبدأ فصل السلطات، وضمان أن يكون القانون أداة لحماية الحقوق والحريات لا مجرد إطار نظري.
وتطرح هذه المراحل المتعاقبة تساؤلات أساسية حول أبرز الفترات التي يمكن اعتبارها الأقرب إلى نموذج دولة القانون في سوريا، وما إذا كانت تلك المحاولات قد ارتبطت بظروف سياسية معينة سمحت بهامش أكبر من الانفتاح المؤسساتي، أو أنها اصطدمت بعوامل أعاقت استمراريتها وتطويرها، سواء على مستوى البنية السياسية أو طبيعة النظام الإداري والقضائي.
إعادة الهيكلة
يقول محيي الدين الشحيمي إن سوريا تعيش اليوم مرحلة انتقالية كبرى أعقبت سقوط النظام وأن البلاد تخضع حالياً لإطار قانوني وسياسي جديد تقوده الحكومة السورية، ويشير إلى أن واقع القضاء والمؤسسات الدستورية يتسم بالسعي نحو إعادة الهيكلة والتحول من المركزية المطلقة إلى نظام يفصل بين السلطات ويضمن استقلالية المؤسسات.
ويضيف الشحيمي في حديث لـ”963+”، أن الدولة السورية تستند حالياً إلى الإعلان الدستوري لعام 2025، موضحاً أن القضاء والمؤسسات الدستورية يشهدان محاولات إصلاح جذرية لمعالجة تركة العقود الماضية التي افتقرت للاستقلال.
ويشدد على أن العملية تواجه تحديات ميدانية وقانونية تبدأ مع مسألة استقلالية القضاء، وينوه إلى أن جلسات حوارية ومؤتمرات تعقد حالياً في دمشق لبحث ضمانات استقلال القضاء بوصفه ركيزة للتحول السياسي.
ويؤكد الشحيمي أن العمل يجري بالتوازي على تخطي تحديات العقبات المكانية نظراً لتأثيرها على سير العدالة، مع إطلاق ورشة تحديث التشريعات عبر مراجعة قوانين قديمة لسد الثغرات القانونية وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويشير إلى أن الجهود تتركز أيضاً على توحيد المرجعية القضائية ومكافحة الفساد لإعادة بناء الثقة في المؤسسات الدستورية، إلى جانب تثبيت أسس العدالة الانتقالية كأولوية للمؤسسات القضائية الجديدة.
ويرى الشحيمي أن مسيرة ترسيخ دولة القانون في سوريا تمثل عملية تراكمية صعبة، ويصفها بأنها “درب جلجلة” اصطدم بالكثير من العوائق والظروف القاسية، موضحاً أنها شهدت فترات ذهبية وأخرى شديدة الظلامية، لا سيما خلال عهد النظام المخلوع، حيث تحولت المؤسسات الدستورية من أدوات فاعلة إلى هياكل فارغة.
ويلفت إلى أن هذه المسيرة واجهت تحديات سياسية كبرى، إلا أنها شهدت في المقابل محطات تاريخية بارزة ومحاولات جادة لبناء وتوطيد دعائم دولة القانون والمؤسسات.
ويقول الشحيمي إن من أبرز هذه المحطات مرحلة المملكة السورية العربية بين عامي 1918 و1920، والتي يعتبرها حجر الأساس للفكر الدستوري السوري الحديث، حيث بدأت مع المؤتمر السوري العام وصياغة أولى الدساتير المدنية الديموقراطية المتطورة في المنطقة، ويؤكد أنها أرست مبادئ الفصل بين السلطات وكفلت استقلالية القضاء، مع تكريس مبدأ المواطنة المتساوية دون تمييز على أساس الدين أو العرق.
ويضيف أن المرحلة البرلمانية بين عامي 1943 و1949، والتي أعقبت الاستقلال عن الانتداب الفرنسي وقبل الانقلابات، اعتمدت نماذج السيادة القانونية، ويشير إلى أن البرلمان كان السلطة العليا للتشريع، فيما أظهر القضاء استقلالاً ملحوظاً بعيداً عن سطوة السلطة التنفيذية، ويؤكد أن تلك المرحلة شهدت مؤسسات قضائية قوية وحصنت الحريات العامة، مع ازدهار حرية الصحافة وتعدد الأحزاب السياسية.
ويوضح الشحيمي أن دستور عام 1950 يمثل ذروة النضج القانوني في تاريخ سوريا الحديث، مشيراً إلى إجماع الحقوقيين على أهميته، حيث ضمن حماية الحريات وفرض قيوداً مشددة على إعلان حالة الطوارئ، ويضيف أنه استحدث لأول مرة محكمة عليا لمراقبة دستورية القوانين، وكفل التوازن بين الملكية الخاصة والعدالة الاجتماعية بما يحمي الاقتصاد والأعمال.
ويتابع أن فترة الانفصال بين عامي 1961 و1963، رغم قصرها، شهدت محاولة جدية لإحياء المؤسسات الدستورية بعد مرحلة الوحدة، ويشير إلى إجراء انتخابات برلمانية وُصفت بأنها من الأفضل في تاريخ البلاد، مع إعادة تفعيل دستور 1950 بعد تعديلات هدفت إلى تحقيق الاستقرار.
ويؤكد الشحيمي أن سوريا تخضع اليوم لورشة بناء جديدة يحكمها دستور مؤقت لعام 2025 يؤسس لمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، ويشدد على أن الوصول إلى دولة القانون والمؤسسات المستقرة يتطلب مجموعة من الشروط الأساسية، في مقدمتها الإصلاح المؤسسي عبر إعادة بناء مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية ودمج القوى المحلية ضمن هيكلية وزارة الداخلية والجيش بعد معالجة الملفات العالقة.
ويضيف أن المواطنة والشرعية تمثلان المدخل الأساسي للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، موضحاً أن ذلك يتحقق عبر رؤية وطنية تربط العدالة بالسياسة الخارجية، مؤكداً أن الاستقرار الأمني يشكل الشرط الأهم، حيث يبدأ بضبط السلاح ومنع الفوضى، باعتباره أساساً لجذب الاستثمارات وتهيئة الظروف لعودة المهجرين والنازحين، مختتماً بالتشديد على أن نجاح هذه المسارات مجتمعة هو ما سيحدد قدرة سوريا على ترسيخ دولة القانون بشكل فعلي ومستدام.
إشكالية بنيوية
يقول مجيد بودن، المحامي المختص في القانون الدولي بباريس، إن القضاء في سوريا وفي العديد من بلدان منطقة الشرق الأوسط لا يتمتع بالاستقلالية أو الحياد، مشيراً إلى أن السلطة السياسية تظل مؤثرة عليه مهما تبدلت الأنظمة، بحيث يبقى القضاء تابعاً للسلطة التنفيذية ولا يشكل سلطة مستقلة قادرة على موازنتها أو الحد من تدخلها.
ويضيف بودن في حديث لـ”963+” أن هذه الإشكالية تُعد بنيوية في أنظمة القضاء في المنطقة، وينوه إلى وجود إجماع على أنه في ظل هذا الواقع لا يمكن الحديث عن عدالة فعلية بالمعنى الذي يضمن محاكمة عادلة وإيصال الحقوق إلى أصحابها، موضحاً أن تغيير النصوص القانونية أو تبدل الأنظمة السياسية وحده لا يكفي لإحداث تحول حقيقي في القضاء، ما لم تتوفر شروط أساسية غير قائمة حالياً.
ويؤكد أن الوضع الحالي، وبعد ما يصفه بخمسين عاماً من “القضاء المدجّن”، لم يشهد إعادة هيكلة حقيقية أو تنقية شاملة للقضاء، كما لم يتم إرساء استقراره أو ضمان حياده بشكل فعلي، مشدداً على أن الضمانات المطلوبة ليست دستورية فقط، بل يجب أن تكون ضمانات عملية مطبقة على أرض الواقع، مع وجود رقابة فعالة على القضاء وعلى السلطتين التنفيذية والتشريعية باعتبار ذلك مسألة جوهرية.
ويشير إلى التجربة الأوروبية كمثال، موضحاً أن استقلال القضاء هناك تطور عبر آليات مؤسساتية تتجاوز حدود الدولة الواحدة، حيث تتنازل الدول عن جزء من سيادتها ضمن إطار قضائي مشترك، كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي، حيث تحتفظ كل دولة بنظامها القضائي المستقل لكنها تخضع في الوقت نفسه لمنظومة قضائية أوروبية أوسع.
ويوضح أن هناك محاكم عليا على المستوى الأوروبي مثل محكمة العدل الأوروبية والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والتي يمكنها النظر في قرارات صادرة عن المحاكم الوطنية بعد استنفاد جميع درجات التقاضي الداخلية، وصولاً إلى إمكانية مراجعة بعض الأحكام على المستوى الأوروبي.
ويشدد على أن هذه الآلية تخلق رقابة قضائية خارج سيطرة الجهاز التنفيذي للدول، حتى في الدول التي يتمتع قضاؤها بالاستقلال مثل فرنسا، حيث يضيف هذا النظام الأوروبي مستوى إضافياً من الضمانات القانونية.
ويختم بودن بالتأكيد على ضرورة التفكير في آليات تضمن استقلال القضاء في سوريا، تقوم أولاً على الفصل الحقيقي عن السلطة التنفيذية، وثانياً على إنشاء إطار وهيكلية تسمح بإمكانية اللجوء إلى قضاء خارج الحدود السورية دون المساس بالسيادة الوطنية، بما يتيح للمواطن السوري الوصول إلى آليات قضائية دولية، معتبراً أن ذلك يشكل عاملاً أساسياً لتعزيز استقلال القضاء في سوريا والمنطقة العربية بأكملها.
The post سوريا.. إرث القضاء “المدجن” ومخاض الدستور الجديد! appeared first on 963+.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة موقع 963+. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by موقع 963+. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.