تابع المقالة سوريا أمام خطر الجوع.. كيف يهدد نقص التمويل ملايين الأسر؟ على الحل نت.
تواجه سوريا خطر تفاقم أزمة الأمن الغذائي مع استمرار اتساع الاحتياجات الإنسانية وتراجع قدرة المنظمات الدولية على تمويل برامج الإغاثة، في وقت لا تزال فيه ملايين الأسر تكافح للحصول على الغذاء الأساسي وسط ضغوط اقتصادية ومناخية وأمنية متراكمة.
وحذّر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من أن نقص التمويل يفرض تقليص المساعدات في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى ملايين السوريين، ما يهدد بتحويل أزمة الغذاء إلى عامل إضافي يضغط على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في البلاد.
13.3 مليون سوري تحت ضغط الجوع
بحسب موجز برنامج الأغذية العالمي الخاص بسوريا لشهر آب، أغسطس الجاري، يواجه نحو 13.3 مليون شخص انعداماً في الأمن الغذائي، بينهم نحو 7.1 ملايين يعانون مستويات شديدة من انعدام الأمن الغذائي.
وتأتي هذه الأرقام في بلد يحتاج فيه نحو 15.6 مليون شخص إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية خلال عام 2026، أي ما يقارب ثلثي السكان، وفق تقديرات الأمم المتحدة.

ولا تعكس هذه الأرقام نقص الغذاء وحده، بل تكشف اتساع الفجوة بين قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية وبين أسعار السلع والدخل المتاح، فالاقتصاد السوري لا يزال يعاني آثار سنوات الحرب وتراجع الإنتاج وفرص العمل وتدهور القدرة الشرائية، بينما أدت الصدمات المناخية، وعلى رأسها الجفاف، إلى زيادة الضغوط على الزراعة والإنتاج المحلي.
تشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن إنتاج الحبوب في 2025 قُدّر بنحو 1.2 مليون طن فقط، أي أقل بأكثر من 60 بالمئة من المتوسط، نتيجة الجفاف الشديد.
فيما قُدّرت احتياجات استيراد القمح لموسم 2025-2026 بنحو 3 ملايين طن، بزيادة تقارب 70 بالمئة على متوسط السنوات الخمس السابقة.
التمويل يفرض تقليص المساعدات
في مواجهة هذه الاحتياجات، يواجه برنامج الأغذية العالمي فجوة تمويلية حادة أجبرته على تقليص نطاق عملياته، ففي أيار/ مايو الماضي، خفّض البرنامج مساعداته الغذائية الطارئة بنسبة 50 بالمئة، من نحو 1.3 مليون شخص إلى 650 ألفاً، كما تقلص نطاق التدخل من المحافظات السورية الأربع عشرة إلى سبع محافظات فقط، مؤكداً أن هذا التقليص لا يرتبط بانخفاض الاحتياجات، وإنما بنقص التمويل.
يبرز الخبز باعتباره أحد أكثر الجوانب حساسية في الأزمة، فقد أدى تعليق برنامج دعم الخبز الوطني إلى حرمان ملايين السوريين من أحد أهم مصادر الغذاء المدعوم، بعدما كان البرنامج يوفر دقيق القمح المدعم لأكثر من 300 مخبز، ويساعد في توفير الخبز بأسعار ميسرة لنحو أربعة ملايين شخص يومياً في المناطق الأكثر هشاشة، ومع توقف البرنامج، ارتفعت أسعار الخبز بأكثر من 18بالمئة، ما زاد العبء على الأسر التي تخصص أصلاً جزءاً كبيراً من دخلها للغذاء.
وتظهر نتائج التقليص سريعاً في قدرة الأسر على مواجهة الأزمة، فكلما تراجعت المساعدات، تضطر الأسر الأكثر ضعفاً إلى تقليل عدد الوجبات، أو خفض جودة الغذاء، أو الاستدانة وبيع الأصول ومصادر الدخل، وهي استراتيجيات قد توفر احتياجات قصيرة الأجل لكنها تزيد هشاشة الأسر على المدى الطويل.
تحذيرات من انقطاع المساعدات
كان برنامج الأغذية العالمي قد حذّر من أن انقطاع المساعدات لا يفاقم الجوع فقط، وإنما يضغط أيضاً على الأسواق والمجتمعات المحلية ويضعف التماسك الاجتماعي، بما قد يزيد مخاطر عدم الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية في سوريا.
ورغم تقليص المساعدات، واصل البرنامج خلال تموز تقديم الدعم لمئات الآلاف من السوريين؛ إذ استفاد 682,302 شخص من المساعدات، فيما أُرسلت قرابة 3,987 طنًا متريًا من المواد الغذائية، إلى جانب تحويلات نقدية بلغت نحو 4.9 ملايين دولار.

لكن استمرار هذا المستوى من التدخل يحتاج إلى تمويل عاجل، إذ يقدّر البرنامج حاجته بنحو 186 مليون دولار لتغطية عملياته خلال الفترة من آب 2026 إلى كانون الثاني/ يناير 2027، كما يطالب بنحو 200 مليون دولار إضافية بحلول نهاية العام لاستعادة المساعدات الحيوية لنحو 1.3 مليون من الأشخاص الأكثر عرضة للجوع.
ولا يقتصر تحرك البرنامج على توزيع الغذاء، إذ يحاول معالجة بعض الأسباب الهيكلية للأزمة عبر دعم منظومة إنتاج الخبز والزراعة، وخلال النصف الأول من العام، نفذ تدخلات لإعادة تأهيل مخابز وصوامع، وتوفير مولدات كهربائية للمخابز، إلى جانب مشروعات لإصلاح البنية التحتية الزراعية وشبكات الري.
وتشمل هذه الجهود إعادة تأهيل محطة البابيري في حلب، التي توفر مياه الري لأكثر من 37 ألف هكتار، ومحطة أفاميا في حماة، التي تخدم نحو 7 آلاف هكتار في منطقة الغاب، بما يساعد على استعادة الإنتاج وتقليل خسائر المحاصيل وتعزيز قدرة المزارعين على مواجهة الجفاف.
الزراعة السورية أمام اختبار صعب
تأتي هذه المشاريع في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي السوري واحدة من أصعب مراحله، فالجفاف الذي ضرب البلاد خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تراجع كبير في إنتاج الحبوب، بينما ارتفعت تكلفة المدخلات الزراعية من بذور وأسمدة ووقود ونقل، ما حدّ من قدرة المزارعين على توسيع المساحات المزروعة.
كما زادت الفيضانات التي شهدتها مناطق على امتداد الفرات في الرقة ودير الزور خلال أيار الماضي من الضغوط على المزارعين والبنية التحتية وسبل العيش.
وفي الوقت نفسه، تتداخل أزمة الغذاء مع أزمة النزوح والعودة، فعودة أعداد كبيرة من السوريين إلى مناطقهم الأصلية لا تعني انتهاء الاحتياجات الإنسانية، إذ يعود كثيرون إلى مناطق تضررت بنيتها التحتية وفقدت جزءاً كبيراً من مصادر الدخل والخدمات.
وتشير الأمم المتحدة إلى استمرار وجود نحو 5.5 ملايين نازح داخلياً، بينما يحتاج 15.6 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية في 2026.
الجوع بين الأمن والمناخ
تزيد المخاطر بفعل العوامل المناخية والأمنية؛ إذ يواجه برنامج الأغذية العالمي صعوبات في الوصول إلى بعض المناطق نتيجة الحوادث الأمنية، فيما تمثل الفيضانات وحرائق الغابات والجفاف تهديداً إضافياً للمحاصيل وسبل العيش والبنية التحتية.
وبذلك، تبدو أزمة الجوع في سوريا أبعد من كونها أزمة مساعدات مؤقتة، فالمعادلة الحالية تجمع بين ملايين المحتاجين، وتراجع التمويل الإنساني، وارتفاع تكاليف الغذاء، وضعف الإنتاج الزراعي، والصدمات المناخية، واستمرار النزوح.
وإذا لم تُسد الفجوة التمويلية بصورة عاجلة، فإن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء قدرتها على إنتاج الغذاء وتأمينه بصورة مستدامة.
- العراق ينقل آلاف السجناء الأجانب.. أكثر من 3500 سوري في صدارة الملف
- صادرات النفط الإيرانية نحو “الصفر”.. هل خنق حصار هرمز اقتصاد طهران؟
- سوريا أمام خطر الجوع.. كيف يهدد نقص التمويل ملايين الأسر؟
- ماذا تقول الصحف الإسرائيلية عن خطوط تل أبيب الحمراء في سوريا؟
- قد يتغير موعد تسليم السلاح.. بغداد تناقش تعديل مقاربتها لملف الفصائل
تابع المقالة سوريا أمام خطر الجوع.. كيف يهدد نقص التمويل ملايين الأسر؟ على الحل نت.




