محمد غزوان شاهين
بدأت الثورة السورية عام 2011، وكانت حدثًا مفصليًا في تاريخ سوريا الحديث، إذ قلبت كثيرًا من المفاهيم والمعايير التي بدت لعقود طويلة ثابتة وغير قابلة للنقاش. خرج السوريون، أو معظمهم، بمطالب عامة تتعلق بالحرية والكرامة وتحويل سوريا إلى دولة طبيعية، دولة تشبه أوطان البشر العادية، بعد عقود طويلة من الحكم الأمني الذي حوّل السياسة إلى محرّم، والمجتمع إلى فضاء خائف يراقب نفسه بنفسه.
كانت المطالب متنوعة، منها ما هو عام يتعلق بمستقبل البلاد، ومنها ما هو خاص يرتبط بظروف الأفراد والجماعات، وهي حالة تكاد تكون تقليدية في معظم الثورات؛ إذ تخرج الجماهير وهي تحمل أحلامًا سامية، لكنها أيضًا تحمل مخاوفها وتناقضاتها وتصوراتها الخاصة عن العدالة والهوية.
لكن الثورة، ككل الثورات، لم تكن فعلًا جماعيًا مطلقًا. فقد شارك فيها جزء كبير من السوريين، بينما اختار آخرون عدم المشاركة لأسباب مختلفة؛ فمنهم من خاف من المجهول، ومنهم من رفض التغيير، ومنهم من كان مستفيدًا من الواقع القائم، ومنهم من لم يكن مهتمًا بالسياسة أساسًا. وعدم المشاركة بحد ذاته لم يكن التهمة يومًا، فالمجتمعات لا تُختزل بموقف سياسي واحد، لكن دعم القمع والمشاركة في المقتلة السورية كان وسيبقى مسؤولية أخلاقية وسياسية لا يمكن تجاهلها.
غير أن السؤال الأهم ليس من شارك ومن امتنع عن المشاركة، بل كيف أعادت عقود الحكم السابقة تشكيل مفهوم الوطن في الوعي السوري. فقد نشأت أجيال كاملة وهي تسمع أن سوريا هي الأسد، وأن الأسد هو سوريا. فمن المدرسة إلى الجامعة، ومن مؤسسات الدولة إلى وسائل الإعلام، تكررت شعارات مثل “سوريا الأسد” و”الأسد إلى الأبد”، حتى غدا الوطن في المخيلة العامة مرتبطًا بشخص أو بحزب، أكثر من ارتباطه بالمؤسسات أو بالمواطنة أو بالقانون.
وعندما سقط النظام، لم يسقط هذا التصور بالضرورة. فما زال جزء من السوريين يميل إلى ربط الوطن بالأشخاص، سواء كانوا من آل الأسد أو من حزب البعث، أو حتى من الشخصيات السياسية الجديدة التي ظهرت بعد سقوط النظام. ورغم أن الرئيس السوري أحمد الشرع رفض في أكثر من تصريح أو لقاء سياسي إسقاط تجربة النظام المخلوع على الواقع الجديد، ورفض أيضًا فكرة اختزال سوريا بشخصه أو إعادة إنتاج نموذج القائد الذي يعلو على الدولة، فإن جزءًا من السوريين ما يزال يتعامل مع المشهد السياسي بالعقلية ذاتها التي تشكلت خلال العقود السابقة.
وربما يفسر ذلك كثيرًا من الظواهر التي نشهدها اليوم؛ إذ قد يُنظر إلى حمل العلم السوري الجديد بوصفه ولاءً للسلطة لا تعبيرًا عن الانتماء للوطن، وقد تُفسَّر الدعوة إلى استقرار سوريا أو رفع العقوبات عنها على أنها تأييد للحكومة لا للدولة.
يفسر غوستاف لوبون هذه الظاهرة في كتابه “سيكولوجية الجماهير” حين يرى أن الجماهير لا تتعامل مع الأفكار المجردة بسهولة، بل تميل إلى اختزالها في رموز وصور وأشخاص. فالوطن، وهو مفهوم واسع ومعقد، يصبح أكثر قابلية للفهم عندما يُجسد في قائد أو حزب أو راية. ومع مرور الزمن، لا يعود الناس يدافعون عن الوطن بوصفه عقدًا اجتماعيًا أو مجموعة مؤسسات، بل يدافعون عن الصورة التي رسموها له في أذهانهم.
إذا كانت عقود الاستبداد قد نجحت في ربط الوطن بشخص أو حزب، فإن إعادة تعريف الوطن في أذهان السوريين تحتاج إلى مشروع طويل النفس، لا يقوم على الشعارات وحدها، بل على الممارسة اليومية وعلى بناء الثقة بين المواطن والدولة.
العلم والمناهج والتربية المدرسية ليست مجرد أدوات تعليم، بل هي الوسيلة الأهم لبناء وعي وطني جديد. فالأطفال الذين تربوا لعقود على تمجيد الفرد يحتاجون اليوم إلى مناهج تشرح لهم أن الوطن أكبر من الحاكم، وأن المواطنة تعني الحقوق كما تعني الواجبات، وأن الاختلاف السياسي لا يلغي الانتماء الوطني.
ثانيًا، لا يمكن للوطن أن يكون فكرة مجردة في ذهن المواطن الجائع أو الفقير. فرفع مستوى معيشة السوريين، ولا سيما الطبقات الفقيرة التي تشكل اليوم شريحة واسعة من المجتمع، ليس مجرد هدف اقتصادي، بل هو ضرورة وطنية.
ثالثًا، لا بد من إعادة إحياء النقابات المهنية، ومؤسسات المجتمع المدني، والمنتديات الثقافية والفكرية التي تنأى بنفسها عن تحويل الوطن إلى مادة للسجالات السياسية اليومية.
وأخيرًا، تبقى الحوكمة الرشيدة شرطًا لا غنى عنه لأي مشروع وطني حقيقي. والحوكمة هنا لا تعني مجرد إدارة الدولة، بل تعني أن تكون السلطة خاضعة للشفافية، وأن يخضع المسؤول للمساءلة، وأن تكون العدالة فوق الجميع، وأن تُمنح الفرص على أساس الكفاءة لا الولاء. فعندما يشعر المواطن أن القانون يحميه وأن المؤسسات تعمل لخدمته، يبدأ الوطن بالخروج من دائرة الشعارات إلى دائرة الواقع.
تبقى المشكلة الأكبر ليست فقط فيما تراه الجماهير في سوريا، بل فيما يسوّق له بعض المثقفين والمؤثرين الذين يفترض أنهم الأكثر قدرة على تجاوز العقل الجمعي لا إعادة إنتاجه.
فمن جهة، ما زال هناك من تؤكد أقواله وأفعاله أن قناعته الحقيقية هي أن سوريا سقطت بسقوط النظام المخلوع، وأن الوطن لم يكن سوى سلطة، فإذا زالت السلطة زال الوطن معها. ومن جهة أخرى، ما زال بعض مدّعي الثقافة والمؤثرين يعيدون إنتاج العقلية نفسها التي أسس لها نظام الأسد، عقلية اختزال الوطن بالسلطة وربط الدولة بالأشخاص، وإن اختلفت الشعارات والاصطفافات.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة؛ فالثورات لا تنجح بمجرد تغيير الحكام، بل بتغيير الأفكار التي جعلت من الحاكم وطنًا، ومن الوطن شخصًا. وإذا كان الحوار مع عامة الناس ممكنًا، فإن النقاش مع من يصنعون الرأي العام ويؤثرون فيه سيبقى ضرورة لا تقل أهمية، لأن بناء سوريا الجديدة يحتاج إلى تحرير العقول من إرث الاستبداد بقدر حاجته إلى إعادة بناء الحجر.




