سوريا.. الهرولة نحو الدولة الفاشلة
غزوان قرنفل
لم تبلغ سوريا بعد مرحلة الدولة الفاشلة بالمعنى الكامل للكلمة، لكن المؤشرات المتراكمة تقول بوضوح إننا نسير نحوها بخطوات متسارعة، فالدول لا تتحول إلى دول فاشلة بين ليلة وضحاها، بل تصل إلى تلك الحالة نتيجة سلسلة طويلة من القرارات والسياسات والإجراءات الخاطئة التي تتراكم بمرور الوقت حتى يصبح التراجع عنها أكثر صعوبة وأعلى تكلفة.
الدولة الفاشلة ليست وصفًا إنشائيًا أو حكمًا سياسيًا يراد به النيل من الخصم السياسي، بل هي حالة محددة المعالم والمواصفات في علم السياسة، دولة تفقد قدرتها على إدارة شؤون المجتمع، وتعجز عن تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، وتصبح فيها المؤسسات أكثر ضعفًا إلى الحد الذي تصبح معه عاجزة عن فرض القانون أو تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار، وعندما تصل الدول إلى تلك المرحلة فإنها لا تعود دولة بالمعنى الحقيقي، بل تصبح كيانًا هشًا يحمل من الدولة اسمها لا أكثر، لكنه في الواقع شيء مختلف تمامًا هو أقرب ما يكون إلى إقطاعيات جغرافية تدير شؤونها عصابات لا مؤسسات.
إن ما يدعو إلى القلق أن كثيرًا من السياسات والقرارات التي تُتخذ اليوم تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا لما تحتاج إليه الدول الخارجة من الحروب والأزمات العميقة، وبدلًا من بناء مؤسسات قوية ومحايدة يجري إضعاف ما تبقى من مؤسسات الدولة عبر قرارات مرتجلة أو تعيينات تقوم على الولاء أكثر مما تقوم على الكفاءة، وبدلًا من ترسيخ مبدأ سيادة القانون والمساءلة، تتكرس ممارسات تعمق الفوضى وتفتح الباب أمام شبكات النفوذ والمصالح الخاصة.
إن أخطر ما في الأمر ليس قرارًا بعينه أو سياسة محددة، بل الاتجاه والنسق العام الذي تسير عليه الأمور، فحين تتكرر الأخطاء في السياسات الاقتصادية وتسارع السلطة لتصفية وبيع أصول الدولة وممتلكاتها، وتغيب الرؤية الواضحة لإعادة الإعمار والتنمية، وتمنح العطاءات والامتيازات بطريقة تثير الشبهات والشكوك حول معاييرها، فإن النتيجة الطبيعية لذلك هي مزيد من التآكل في بنية الدولة وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
إن اعتماد الزبائنية في التعيينات التي تتم بمواقع المسؤولية تشكل عاملًا حاسمًا في مستقبل أي دولة، لأن معايير الاختيار تصبح مرتبطة بالانتماء الضيق أو العلاقات الشخصية أو الولاءات السياسية، بدلًا من الخبرة والكفاءة، وتتحول مؤسسات الدولة تدريجيًا إلى هياكل شكلية عاجزة عن القيام بمهامها، ومع مرور الوقت تتراكم الأخطاء الإدارية ويتسع الفارق بين ما تحتاج إليه الدولة وما تستطيع مؤسساتها تقديمه.
ولا يقل خطورة عن ذلك غياب السياسات الواضحة لمعالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع، فالدولة التي لا تستطيع تأمين الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي أو توفير الخدمات الأساسية لمواطنيها، تفتح الباب أمام تآكل الثقة بينها وبين المجتمع، ومع تراجع وتآكل هذه الثقة يبدأ الناس بالبحث عن بدائل خارج إطار الدولة، سواء كانت شبكات محلية أو سلطات أمر واقع أو علاقات حماية خاصة، وهي كلها مؤشرات تقود في النهاية إلى تفكك فكرة الدولة نفسها.
إن الطريق إلى الدولة الفاشلة ليس طريقًا غامضًا أو مجهول المعالم، فقد شهد العالم نماذج عديدة لدول سلكت هذا المسار، وكانت العلامات التحذيرية فيه واضحة قبل أن تصل الأمور إلى نقطة اللاعودة، ولطالما ابتدأت المسألة بتآكل المؤسسات، ثم بضعف القانون، ثم بتغوّل المصالح الخاصة، قبل أن تتحول الدولة تدريجيًا إلى شيء هلامي دون شكل واضح وبلا ملامح، مجرد اسم بلا مضمون، لهذا السبب فإن ما يجري اليوم يجب أن يدق ناقوس الخطر، ذلك أن استمرار السياسات الحالية بالمنهج نفسه سيقودنا عاجلًا أم آجلًا إلى تلك النتيجة التي يخشاها الجميع، مجرد دولة تفقد قدرتها على إدارة نفسها ومجتمعها، وحينها لن يكون الحديث عن الإصلاح سهلًا، لأن العطب سيكون قد وصل إلى نخاع الدولة ذاتها.
اليوم، لا تزال الفرصة سانحة لتجنب هذا المصير، لكن ذلك يتطلب استدارة كاملة في السياسات العامة، استدارة حقيقية بمقدار 180 درجة وليس أقل من ذلك، لأننا نحتاج إلى الانتقال من منطق إدارة السلطة إلى منطق بناء الدولة، ومن عقلية الولاءات الضيقة إلى معيار الأهلية والكفاءة، ومن القرارات المرتجلة إلى التخطيط المدروس القائم على رؤية واضحة لمستقبل البلاد، فالدول لا تبنى بالشعارات ولا بالكرنفالات والاحتفاليات الخرقاء، بل بالمؤسسات القادرة، والقانون العادل، والسياسات الرشيدة، وإذا لم يحدث هذا التحول الجذري في طريقة إدارة الشأن العام، فإننا سنجد أنفسنا بعد سنوات قليلة وغالبًا قبل انتهاء مدة المرحلة الانتقالية أمام واقع جديد لكن أكثر سوءًا مما نحن عليه الآن، مكان لا يمكن الزعم فيه أن لدينا دولة حقًا، بل مجرد بقايا وحطام دولة فوتت فرصة النهوض، وهرولت سريعًا نحو الحصول على وسم الدولة الفاشلة.




