خسرت إيران بسقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 أكثر من حليف وطريق إمداد. فقدت الدولة التي منحت شبكتها غطاءً سيادياً عبر المعابر والمطارات والمستودعات، وانتشاراً عسكرياً يصل الفصائل العراقية بـ"حزب الله". بقيت العقدتان العراقية واللبنانية، لكن انقطعت بينهما الحلقة التي جعلتهما محوراً متصلاً.
أقر الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم بالخسارة بعد أيام من سقوط الأسد، عندما أعلن فقدان طريق الإمداد العسكري عبر سوريا. وأكدت الحرب الحالية أن الانقطاع سياسي وعسكري، لا جغرافي فقط. أنشأ "الحرس الثوري" في العراق خلايا صغيرة تعمل خارج البنى التقليدية، وقاتل "حزب الله" من لبنان، فيما بقيت دمشق خارج الحرب وعززت حدودها لمنع التهريب والتسلل.
وأحجمت السلطات السورية الجديدة عن التدخل ضد "حزب الله" داخل لبنان رغم الضغوط الأميركية، بينما ترى تركيا أن الهجمات الإسرائيلية على سوريا ولبنان تهدد أمنها. لا تريد دمشق وأنقرة عودة الممر الإيراني، كما لا مصلحة لهما في أن تتحول هزيمة "حزب الله" إلى احتلال إسرائيلي أوسع وتفوق عسكري منفرد في المشرق.
من الممر المحمي إلى التهريب
كان المسار الرئيسي لتمرير السلاح يدخل من القائم-البوكمال، ويمر بدير الزور وتدمر وحمص، ثم يخرج عبر القصير والمعابر غير الرسمية إلى البقاع. واستمد أهميته من سيطرة "الحرس الثوري" والفصائل والأجهزة السورية على عقده. بعد سقوط الأسد، انسحبت القوات الإيرانية والفصائل الأجنبية وتركت قواعد ومخازن، وتوقفت مشاريعها الاقتصادية والثقافية.
كشفت شحنة تموز/يوليو الماضي طبيعة المرحلة الجديدة. ضبطت السلطات السورية صواريخ وطائرات مسيرة وأسلحة داخل صهريج آتٍ من العراق على خط نقل الوقود إلى بانياس. وقالت دمشق إن الشحنة كانت متجهة إلى "حزب الله"، ونفى الحزب علاقته بها. يكشف هذا استمرار محاولات تمرير السلاح عبر التجارة الشرعية، فيما تؤكد الشحنات المصادرة أن الطريق فقد أمانه السابق، من دون أن تكشف مقدار ما عبر فعلياً.
وتفرض المعادلة الجديدة منع الشحنات الثقيلة والخلايا التي تهدد الدولة السورية أو تجلب ضربات إسرائيلية، مع بقاء ثغرات أمام تدفقات أصغر. وتمنح المصالح المتعارضة دمشق مساحة لغض الطرف عندما لا يترتب على العبور ضرر مباشر. وهذا لا يعيد الممر الإيراني، لكنه يمنع إغلاقه تماماً لمصلحة إسرائيل.

إرث متشتت ومحاولات إعادة التشكّل
انحصر ما بقي في مخابئ سلاح، ومعرفة محلية بالطرق، وشبكات تهريب، وأفراد سوريين عملوا ضمن تشكيلات مرتبطة بطهران. وتُقدّم "أولي البأس في الجنوب نموذجاً لهذه البقايا. توحي رموز الحركة وخطابها بصلتها بالمحور الإيراني، لكنها محدودة النشاط وغامضة البنية، ولا تظهر صلة تنظيمية معلنة تربطها مباشرة بطهران. وتبنت الحركة عمليات ضد إسرائيل، بينها هجوم في آب/أغسطس لم تؤكده جهة مستقلة.
تمثل "أولي البأس" مؤشراً إلى محاولات إيرانية لإعادة التشكّل عبر خلايا صغيرة قابلة للإنكار، لا دليلاً على نجاحها في بناء نفوذ جديد. فهي تحاول استثمار الغضب المحلي من التوغلات الإسرائيلية، من دون امتلاك حضور اجتماعي أو عسكري يوازي البنية التي فقدتها إيران بسقوط الأسد.
ولا يوجد بديل بري حقيقي لسوريا. فالالتفاف عبر الأردن أو تركيا يضيف حدوداً جديدة ثم يعيد الشحنة إلى الأراضي السورية، فيما البحر والجو أكثر عرضة للكشف والاعتراض. ويقلل التصنيع المحلي لدى "حزب الله" أثر الانقطاع في بعض الذخائر من دون أن يعوّض تدفق المنظومات الثقيلة والمكونات الدقيقة. تستطيع إيران اختراق سوريا وتهريب السلاح عبرها، لكن إعادة تحويلها إلى جسر استراتيجي تتطلب تغييراً في موقف دمشق أو تفكك سلطتها. ولا يبدو أي منهما قريباً.
