صورة جوية بـ160 دولاراً… هكذا يشتري الجنوبيون الجواب لمعرفة مصير منازلهم
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في الحروب، تولّد الحاجة بصيص أمل يمكن أن يخفّف عن قلوب الجنوبيين في لبنان. منذ نزوح أهالي الجنوب خلال حرب 2024، كان همّهم الوحيد معرفة مصير بيوتهم وممتلكاتهم التي اضطروا إلى تركها خلفهم.ومع اشتداد الحرب، تصاعدت الهواجس والمخاوف بشأن مصير تلك البيوت. وبين الركام والقصف والصواريخ، بدأ يتردّد همس عن وجود موقع يتيح شراء صور جوية عبر الأقمار الاصطناعية لأي منطقة جغرافية، وبجودة عالية.من حديث عابر بين شاب صيني وشقيق أحد الشبّان، وجد كثيرون في هذا الموقع الإلكتروني خياراً شبه وحيد للاطمئنان إلى ممتلكاتهم في قراهم الجنوبية. وبالفعل، لجأت العديد من العائلات إلى موقع يُدعىOnGeo ، يوفّر بيانات عالية الدقّة وصوراً واضحة، موثوقة ومحدّثة، تُقدَّم للمستخدمين.يقدّم هذا الموقع أداة مرنة تساعد على استكشاف المعطيات ومتابعة التغيّرات عبر الزمن، من خلال تكنولوجيا الأقمار الاصطناعية بطريقة عملية وسهلة الاستخدام. كذلك، يتضمّن تقارير تضمّ مجموعة منتقاة بعناية من صور الأقمار الصناعية عالية الدقّة، توفّر عرضاً شاملاً للعقار أو المنطقة المختارة، وتتيح تتبّع التغيّرات بمرور الوقت بسهولة.وسيلة نجاةمن بلدة يحمر الشقيف، المجاورة لبلدة الطيبة التي تشهد معارك قاسية، لم يكن أمام أحد شبّان البلدة سوى صورة اشتراها، يتفحّصها ليتأكّد من صمود منزله بوجه القصف والدمار.يشرح الشاب، الذي استخدم هذه الخدمة أكثر من خمس مرات، في حديثه لـالنهار، بأنّها شكّلت وسيلة نجاة تحليلية في ظلّ تعذّر الوصول إلى الجنوب. ويضيف: صحيح أنّنا تعرّفنا على هذه الخدمة خلال الحرب السابقة، إلا أنّ استخدامها اليوم بات أوسع في قريتنا كما في القرى الجنوبية المجاورة.ويعترف بأنّ الأمور كانت أسهل في الحرب الماضية ممّا هي عليه اليوم، إذ كان لا يزال قادراً على التنقّل بين الحين والآخر. يقول أتذكّر أنّني ذهبت إلى بلدتي قبل أسبوع من قرار وقف إطلاق النار. ومع ذلك، لجأ خلال حرب 2024 إلى شراء صورتين بفاصل زمني الأولى للتجربة والثانية للاطمئنان إلى منزله. أمّا اليوم، فقد تبدّل المشهد، وباتت الصورة كلّ ما يملكه أمام عينيه.تقاسم الكلفةمنذ تجدّد الحرب حتى اليوم، عمد الشاب مع مجموعة من أصدقائه في البلدة نفسها إلى شراء ثلاث صور عبر الموقع، وتقاسموا كلفتها في ما بينهم. ويشير إلى أنّ ارتفاع الكلفة دفعهم إلى المشاركة في ثمنها، لمواصلة الحصول على صور محدّثة بشكل دوري.وفق الشاب، يتيح الموقع للمستخدم تحديد النقطة الجغرافية المطلوبة واختيار التاريخ، وبالتالي تعتمد الصورة على المساحة المختارة وجودتها؛ وعلى أساس ذلك تُحدَّد كلفتها. وكلّما كانت الخيارات أدقّ وأكثر وضوحاً وبجودة أعلى، ارتفعت كلفة الصورة.صورة فضائية توضيحيّة بدقّة 0.3 من المتر، وأخرى بدقّة 1.3 متر من الموقع تظهر التباين بين جودة الصورتين حسب الطلب (موقع OnGeo).دفع الشاب مقابل الصورتين الأوليين خلال حرب 2024 نحو 160 دولاراً للصورة الواحدة. ويقول: لم تختلف كلفة الصورة اليوم، بل وتيرتها. في السابق، كان الأهالي لا يزالون قادرين على الاطمئنان إلى منازلهم وممتلكاتهم من خلال أشخاص يقصدون البلدة. أمّا اليوم، ومع اشتداد القصف وتعذّر الوصول إلى البلدات، فقد ارتفعت وتيرة الطلب على هذه الصور.ويتابع الشاب مع أصدقائه أخبار الاستهدافات الإسرائيلية، وكلّما اقترب القصف من بلدتهم، لجأوا إلى الموقع للتأكّد من صمود منازلهم. وبدلاً من الاكتفاء بتحديد موقع منزل واحد، تعمد المجموعة إلى اختيار نطاق الحيّ بأكمله لتقاسم الكلفة وعدم تجاوز المعدّل المعتاد، إذ قد تصل كلفة الصورة الواحدة إلى ما بين 600 و700 دولار (معايير عالية وتفاصيل دقيقة جداً).ولتفادي هذه الكلفة المرتفعة، يعمد الشبان إلى شراء صورة جوية واسعة النطاق، ثم يقومون بتكبيرها بأنفسهم (زوم على المنازل) لتحديد مواقع بيوتهم بشكل تقريبي. وقد دفعت هذه الحيلة شبّاناً آخرين في البلدة نفسها، كما في القرى المجاورة، إلى اعتماد المنهجية ذاتها في تحديد الموقع الجغرافي وتقاسم كلفة الصورة الجوية.اشترت المجموعة حتى اليوم ثلاث صور، يتقاسمون كلفتها في ما بينهم بنحو 20 دولاراً للشخص الواحد، فيما بلغت كلفة الصورة الواحدة 160 دولاراً. ومع تكرار التجربة، باتوا أكثر إلماماً بكيفية اختيار التفاصيل التي تضمن الحصول على صورة جيّدة بسعر مقبول.يستذكر الشاب كيف أنّهم خلال الحرب السابقة دفعوا ثمن صورة تبيّن لاحقاً أنّها ضبابية، ولم يظهر فيها شيء بسبب سوء الأحوال الجوية. لا يُخفي قوله تعلّمنا أن نتأكّد من حالة الطقس قبل شراء أي صورة، لضمان الحصول على صورة واضحة.ولا يفصل الشبان سوى أسبوع واحد عن شراء صورة جوية جديدة. وحتى الآن، لم تُسجَّل أضرار كبيرة في منازلهم. ويعزو الشاب هذه الوتيرة السريعة إلى قساوة الحرب الحالية واشتدادها مقارنة بالحرب الماضية.استخدامات متعددة الأهدافهذه الخدمة، التي تُستخدم أساساً من قبل الشركات لا الأفراد، تحوّلت اليوم إلى ملاذٍ لكثير من الجنوبيين. لكن ماذا نعرف عن هذا الموقع؟يشرح مستشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عامر الطبش، في حديثه لـالنهار، بأنّ هذا الموقع يشبه منصّات أخرى تبيع بيانات الأقمار الاصطناعية، وهي خدمات متوافرة ومستخدمة في أوروبا والولايات المتحدة، وحتى في بعض الدول العربية، وتوفّر معلومات جغرافية وصوراً عالية الدقّة عبر الأقمار الاصطناعية.والجدير بالذكر أن هذه الخدمات موجّهة في الأساس إلى الشركات والدول، وهو ما يفسّر كلفتها المرتفعة في بعض الحالات. ومع ذلك، وجد اللبنانيون طريقهم إليها، لتصبح دليلاً حيّاً على مصير أراضيهم ومنازلهم.ويشير طبش إلى أنّ بعض الدول تشتري هذه البيانات لاستخدامها في مشاريع كبرى، ولا سيّما في مجالات التنظيم المدني وتخطيط الطرقات، إضافة إلى شركات الطاقة، مثل الكهرباء والاتصالات، كما تُستخدم في حالات الطوارئ كالكوارث الطبيعية، أو لإدارة الأراضي وتنظيمها.في المقابل، تعتمد عليها دول أخرى لأغراض أمنية، مثل مراقبة الحدود البرّية. وتوفّر هذه المنصّات أيضاً صوراً حرارية، تُستخدم في مراقبة منشآت الطاقة والمصانع، ما يجعلها تقدّم خدمات متطوّرة ومتعدّدة الاستخدامات بجودة عالية.مصير المنزل… والصورة المنتظرةيشاركنا شاب آخر من المجموعة نفسها شعوره أثناء انتظار الصورة، قائلاً كأنك تنتظر نتيجة امتحان… لا تعرف إن كنت ناجحاً أم راسباً. قلبك يخفق بسرعة، والقلق يسيطر عليك.باتت الصورة، وفق ما يوضح، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقصف الإسرائيلي على البلدة أو محيطها، ما يدفع كثيرين إلى شرائها للاطمئنان إلى منازلهم. أمّا في حال خسر الشخص منزله، فلا يعود معنيّاً بالحصول على الصورة.ويشير إلى أنّ الصور الجوية غير قادرة على إظهار الأضرار الجانبية التي قد تلحق بالمنازل، إذ تكتفي برصد الضرر من الأعلى، أي من السقف. ويستذكر أنّ الصور التي حصلوا عليها في السابق أظهرت المنازل بحالة جيدة، فيما تبيّن لاحقاً على أرض الواقع أنّ الأضرار طالت الجوانب نتيجة القصف المدفعي. مثل هذه التفاصيل لا يمكن رصدها كما تفعل العين المجرّدة.لذلك، يقتصر الهدف من هذه الصور على التأكّد من بقاء المنزل أو تدميره. وقد لجأ إليها كثيرون خلال الحرب الماضية، خصوصاً في القرى الحدودية. أمّا اليوم، فقد أصبحت هذه الوسيلة أكثر انتشاراً، مع تفاقم النزوح واستمرار القصف الإسرائيلي، الذي يصل في بعض المناطق إلى حدّ تدمير أحياء كاملة.هكذا تحوّلت صور الأقمار الاصطناعية إلى منقذ بصري يخفّف من وطأة المصير المجهول للقرى الحدودية، التي تتعرّض لقصف عنيف، فيما يعجز كثيرون عن الاطمئنان إلى منازلهم وأحيائهم.
