سوق دمشق للعملات والذهب.. بوابةٌ نحو الشفافية أم رهانٌ في مواجهة السوق السوداء؟
في خطوةٍ غير مسبوقة منذ أكثر من سبعة عقود، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر حصرية عن إحداث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب”، محاولاً بذلك طيَّ صفحة السوق السوداء التي ابتلعت الليرة السورية ومعها مدخرات الملايين، فهل تنجح هذه المنصة الإلكترونية في إعادة رسم خارطة النقد السوري، أم أنها ستظل حبراً على ورق تكتنفه تحديات هيكلية متجذرة؟
الإعلان.. من الفيسبوك إلى صفحة الرسمية:
في منشورٍ على صفحته بموقع فيسبوك، كسر الدكتور عبد القادر حصرية، حاكم مصرف سوريا المركزي، الصمت النقدي الذي طال أمده، معلناً إحداث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب” تنفيذاً لاستراتيجية المصرف، ولا سيما الركيزة الثانية الهادفة إلى تحقيق سوق صرف متوازن وشفاف، استناداً إلى قرار رئاسة مجلس الوزراء رقم 189 لعام 2025.
جاء الإعلان ليحمل في طياته ثلاثة مرتكزات جوهرية كما يقول الخبير المالي سامر العمر في تصريحات لـ”٩٦٣+” تتضمن تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار بما يحدّ من التشوهات، وتعزيز الشفافية عبر توفير بيانات موثوقة ومحدَّثة بصورة آنية، وأخيراً القضاء على السوق السوداء وأي أسواق موازية أخرى، وهو هدفٌ يصفه “الحاكم” بأنه سيتحقق “لأول مرة منذ أكثر من سبعين عاماً”.
ويضيف العمر: اللافت في هذا الإعلان أنه لم يصدر عبر البيان الرسمي المعتاد من قبة المصرف المركزي، بل عبر منصة التواصل الاجتماعي، في إشارة قد تعكس توجهاً نحو التواصل المباشر مع الرأي العام، أو ربما رغبةً في قياس نبض الشارع قبل الإطار القانوني الرسمي، لافتاً أنه لا يمكن فهم حجم الرهان المطروح دون استحضار تاريخ الإخفاق النقدي السوري، فالليرة التي كانت تُعادل الفرنك الفرنسي يوم وُلدت عام 1919، باتت اليوم ظلاً باهتاً لعملة ذات سيادة.
فمنذ عام 2011، شهدت الليرة السورية انهياراً متتالياً لا يرحم: من نحو 49 ليرة للدولار لحظة اندلاع الأزمة، إلى تخطي عتبة 6000 ليرة في السوق السوداء عام 2022، ثم الوصول إلى ما يزيد على 40 ألف ليرة عشية سقوط النظام في ديسمبر 2024، في خسارة تجاوزت 99% من القيمة، أما اليوم فيُثبّت المصرف المركزي رسمياً سعر الدولار عند 110 ليرات جديدة (أي 11,000 ليرة قديمة)، في حين يتراوح سعر السوق الموازية بين 12,950 و13,050 ليرة، ما يُعني فجوة بلغت نحو 18% بين السعرين، وهي فجوة تُغذّي المضاربة وتُذكي السوق السوداء التي يسعى القرار الجديد إلى تجفيف منابعها.
السوق الجديدة… الآليات والمعايير الدولية:
تسعى “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب” إلى أن تكون النقيض التام للفوضى النقدية التي عرفتها سوريا، وتقول الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن السوق تُدار عبر منصة إلكترونية مُحدَّثة وفق المعايير الدولية، وتستقطب أطرافاً تجارية ملتزمة بالضوابط الحاكمة، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، وأبرز مكونات السوق الجديدة، هي توحيد مرجعية الأسعار بدلاً من عشرات الأسعار المتفرقة التي تنشأ في أزقة الصرافين وتطبيقات التواصل غير الرسمية، ستُحدَّد الأسعار عبر منصة مركزية تعكس قوى العرض والطلب الحقيقية بدقة وآنية.
وأيضاً الشفافية والبيانات الموثوقة، حيث ستُتيح السوق تحديثات مستمرة تُعزز ثقة المتعاملين وتُقلّص هامش المضاربة غير المنظمة التي كانت تعيش على فارق المعلومات، وكذلك تنظيم تداول الذهب للمرة الأولى، يُدرج الذهب ضمن منظومة تداول رسمية وخاضعة للرقابة، وهو قطاع ظل طويلاً في منطقة رمادية تحكمه العلاقات والسمعة الشخصية أكثر مما يحكمه القانون، وأخيراً إعادة هيكلة المهن المالية حيث أن القرار يأتي ضمن حزمة أوسع تشمل إعادة هيكلة سوق الصرف والمهن المالية المرتبطة به، وهو ما قد يعني تنظيم عمل الصرافين وتقنين آليات الترخيص.
تحديات هيكلية.. هل تكفي المنصة وحدها؟
تضيف الخطيب: لا يخلو المشهد من تعقيدات جوهرية تضع الإعلان في مواجهة اختبارات صعبة، فبين الطموح المُعلَن والواقع المرصود، تقع هوةٌ يصعب ردمها بمجرد منصة إلكترونية، فالفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية تكشف بيانات هذا الأسبوع — 20 إلى 22 أبريل 2026 — عن فجوة مستمرة بنسبة 18% بين سعر المصرف المركزي (110 ليرات جديدة) والسوق الموازية (130 ليرة جديدة تقريباً)، وهذه الفجوة تُمثّل في حد ذاتها أكبر تحدٍّ ما دامت موجودة، فإن الحافز الاقتصادي للتحوط بالسوق السوداء يظل قائماً.
وتشير إلى أن الثقة المؤسسية هي رصيد مستنزف من عقود من النهب الممنهج والفساد النقدي المنظم تحت النظام السابق أفرزت شكوكاً عميقة تجاه أي إعلان رسمي.
وترى الخطيب أن أسواق الصرف الرسمية تنجح حين تستند إلى شبكة مصرفية متينة وحجم احتياطيات كافٍ يُمكّن المصرف المركزي من التدخل لضبط الأسعار، ففي سوريا، لا يزال القطاع المصرفي في طور إعادة البناء، وقد وقّع المصرف المركزي للتو اتفاقاً مع البنك الدولي لتطوير إدارة الاحتياطيات والذهب، وهو مؤشر على أن البنية التحتية ما زالت تُبنى.
تُقدِّر الخطيب أن الاقتصاد غير الرسمي السوري يستوعب نسبة مرتفعة من التعاملات الاقتصادية، ولدمج هذه الكتلة في منظومة رسمية، يحتاج الأمر إلى حوافز لا مجرد عقوبات، وإلى إقناع لا مجرد مراسيم، فقد تنجح أسواق الصرف الرسمية حين تستند إلى احتياطيات كافية وثقة مؤسسية راسخة، وكلاهما في طور البناء في سوريا اليوم.
تختم الخطيب: “سوق دمشق” لا تأتي في فراغ، بل في سياق سياسة نقدية أكثر نشاطاً مما شهده المصرف في عقود سابقة، ففي غضون أشهر قليلة، أُبرمت اتفاقية مع بنك رايفيسن النمساوي لإعادة فتح قنوات التحويل مع أوروبا، ووُقِّعت مذكرة تعاون فني مع البنك الدولي لتطوير إدارة الاحتياطيات، وجرت محادثات على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي بواشنطن بين وزير المالية السوري ومسؤولي الصندوق، ويرسم هذا المشهد صورة مصرف مركزي يسعى إلى إعادة تأهيل نفسه مؤسسياً أمام المجتمع الدولي، ولعل سوق العملات والذهب تمثّل الواجهة الداخلية لهذا المسعى، بينما تُمثّل الاتفاقيات الدولية واجهته الخارجية.
أصوات من الشارع ترسم المشهد من زوايا متعددة:
صرّاف في حي الميدان يقول لـ”963+”: جربنا الكثير من القرارات التي وُلدت ميتة، السوق السوداء لم تظهر لأن أحداً يريدها، بل لأن الحاجة اخترعتها، وإن استطاع المصرف أن يكون أرخص وأسرع وأكثر ثقة، سيُقبل الناس عليه. وإلا، فنحن هنا.
أما الاقتصادي السوري سيوريوس حداد ـ في المهجرـ فيرى أن السوق الإلكترونية خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها ليست كافية، والاستقرار النقدي يبدأ بالاستقرار السياسي وبناء الثقة المؤسسية، والمنصات تنجح في بيئات مستقرة، وتتعثر في الهشاشة، وسوريا تحتاج إلى الاثنين في آنٍ واحد.
ويقول تاجر الخضار في دمشق القديمة أبو عدنان: لا أعرف ما معنى سوق إلكترونية، أعرف فقط أن الدولار أرتفع وأن بضاعتي باتت أغلى، وإذا رجع السعر إلى شيء معقول، فليحدثوا ما يريدون.
التفاؤل الحذر:
يقول عمر البشير وهو موظف سابق في مصرف سورية المركزي في تصريحات لـ”٩٦٣+” أن الرهانٌ ضروري، والطريقٌ شاق ولا يعدم المرء أسباباً للتفاؤل الحذر، فللمرة الأولى منذ عقود، يتحرك المصرف المركزي السوري بأجندة إصلاحية واضحة المعالم، ويُعلنها على الملأ، الإطار القانوني موجود، وهو قرار مجلس الوزراء 189 لعام 2025، والإرادة المُعلَنة موجودة، والتعاون الدولي بدأ يُترجَم إلى اتفاقيات فعلية.
ويضيف البشير: ولكن التاريخ يُعلّمنا أن سوريا عرفت مراسيم كثيرة لم تتجاوز الورق، وأن السوق السوداء ليست ظاهرة وُجدت بالصدفة، بل هي وظيفة موضوعية نشأت لسدّ ثغرة، وما لم تسدّ الدولةُ هذه الثغرة بسوق رسمية أكثر كفاءةً وثقةً، فستظل السوق الموازية تعيش وتتكيف.
وأن الاختبار الحقيقي لـ”سوق دمشق” لن يكون في يوم إطلاقها، بل في قدرتها على تضييق الفجوة مع السوق السوداء شهراً بعد شهر حتى تُصبح تلك الفجوة لا تكاد تُرى، وعندها فقط، يمكن القول إن سبعين عاماً من التشوه النقدي باتت وراء الظهر.
The post سوق دمشق للعملات والذهب.. بوابةٌ نحو الشفافية أم رهانٌ في مواجهة السوق السوداء؟ appeared first on 963+.





