سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب.. هل تنجح في إنقاذ الليرة من فخ “السوق السوداء”؟
كشف حاكم مصرف سورية المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية عن قرار بإحداث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب”.
وقال الحصرية في منشور له عبر صفحته على فيسبوك: تنفيذًا لاستراتيجية مصرف سورية المركزي ولا سيما الركيزة الثانية المتمثلة في تحقيق سوق صرف متوازن وشفاف ولقرار رئاسة مجلس الوزراء رقم 189 لعام 2025، قررنا إحداث “سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب” كخطوة محورية في مسار تطوير السياسة النقدية وتعزيز الاستقرار المالي.

وأوضح الحاكم ان هذه السوق الإلكترونية تهدف إلى تنظيم عمليات التداول وتوحيد مرجعية الأسعار، بما يحدّ من التشوهات ويعكس قوى العرض والطلب بدقة وآنية. كما تسهم في تعزيز الشفافية عبر توفير بيانات موثوقة وتحديثات مستمرة، الأمر الذي يدعم ثقة المتعاملين ويحدّ من المضاربات غير المنظمة، ويهدف أيضاً إلى القضاء على السوق السوداء واي أسواق أخرى موازية وذلك لأول مرة منذ أكثر من سبعين عاماً.

وقال: تُدار هذه السوق من خلال منصة تُحدَّث وفق المعايير الدولية، وبمشاركة أطراف ملتزمة بهذه المعايير، بما يوفر بيئة تداول حديثة تعتمد أفضل الممارسات العالمية، ويعزز كفاءة سوق القطع الأجنبي والذهب، ويخدم أهداف الاستقرار النقدي.
قرارنا هذا يأتي ضمن حزمة من القرارت اتخذناها لإعادة هيكلة سوق الصرف والمهن المالية المرتبطة به.
وختم بالقول: يؤكد مصرف سورية المركزي التزامه بمواصلة تنفيذ استراتيجيته الشاملة، بما يحقق التوازن في سوق الصرف ويدعم مسيرة التعافي الاقتصادي.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي يرى أن مصرف سوريا المركزي يطرح فكرة إنشاء سوق إلكترونية تعتمد معايير التداول الدولية لتعكس قوى العرض والطلب بشكل آني وشفاف يأتي في لحظة اقتصادية شديدة التعقيد، وأنه وللوهلة الأولى تبدو الخطوة محاولة جادة للانتقال من التسعير الإداري إلى آليات السوق، لكن السؤال الجوهري هو: هل يمتلك الاقتصاد السوري البنية النقدية والمؤسسية التي تسمح لهذه المنصة بأن تنتج سعراً توازنيًا حقيقياً، أم أننا أمام نسخة رقمية من نشرة سعر الصرف التقليدية ولكن بواجهة تكنولوجية حديثة؟
خطوة تقنية في بيئة نقدية غير ناضجة
لفت الخبير المصرفي في حديثه لـ”الوطن” إلى أن تجارب الدول التي اعتمدت منصات تداول للعملات – من مصر إلى تركيا ونيجيريا- تؤكد أن نجاح هذه الأدوات لا يتحقق بمجرد إطلاق منصة إلكترونية، بل بوجود شروط نقدية صارمة أهمها:
– احتياطيات أجنبية قادرة على التدخل عند الضرورة
– قطاع مصرفي فعّال قادر على التسوية والرقابة
– شفافية كاملة في أوامر البيع والشراء
– تدفقات حقيقية للعملات عبر التصدير والتحويلات
ويرى قوشجي أنه وفي غياب هذه العناصر، تتحول المنصة إلى “سعر إداري رقمي”، أي أنها لا تعكس السوق بل تعيد إنتاجها بشكل مبرمج.
واردف أستاذ الاقتصاد قائلا: لكن رغم ذلك، يمكن للمنصة أن تلعب دوراً مهماً في امتصاص الكتلة النقدية المتداولة في السوق السوداء إذا صُممت بطريقة صحيحة، فحين تقدم المنصة سعراً قريباً من السعر الموازي، وتسمح للأفراد والشركات بالتداول ضمن ضوابط واضحة، وتربط عمليات الاستيراد والتصدير بها، فإن جزءاً كبيراً من المضاربات سينتقل من الظل إلى القنوات الرسمية، وهذا الانتقال لا ينجح إلا إذا شعر المتعاملون أن السعر الناتج عن المنصة حقيقي وغير خاضع للتوجيه الإداري.

وشدد قوشجي على أن الضمانات المطلوبة لنجاح المنصة ليست تقنية فقط، بل نقدية أيضاً، فالتكنولوجيا قادرة على عرض الأوامر وتنفيذها، لكنها غير قادرة على خلق ثقة أو توفير احتياطيات، لذلك فإن أي منصة لا تستند إلى قدرة تدخل نقدية حقيقية ستفشل في إنتاج سعر توازني، مهما بلغت درجة تطورها التقني.
دمج الذهب مع العملات وإعادة تعريف أدوات التحوط
يرى الخبير المصرفي أن الخطوة الأكثر جرأة في الطرح الجديد هي دمج تداول الذهب مع العملات الأجنبية في سوق واحدة، فهذه الخطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز مجرد تنظيم المهن المالية، لأنها تعيد للذهب دوره التاريخي كأداة تحوط نقدية رسمية.
وقال: في اقتصاد يعاني من ضعف الثقة بالعملة الوطنية، يصبح الذهب ملاذاً طبيعياً للمواطنين. لكن حين يتم دمجه في منصة رسمية، يصبح الذهب:
– بديلاً شرعياً للدولار في عمليات التحوط
– أداة ادخار داخل النظام المالي وليس خارجه
– وسيلة لتخفيف الضغط على الطلب على الدولار
– مصدراً محتملاً لتعزيز الاحتياطي الأجنبي عبر جذب الذهب المخزن لدى المواطنين.
ولفت قوشجي إلى أن تجارب تركيا والهند والإمارات تظهر أن تحويل الذهب إلى أصل مالي قابل للتداول الفوري عبر المصارف يساهم في استقرار العملة المحلية، لأنه يخلق قناة تحوط رسمية تقلل من الهروب نحو الدولار.
مضيفا: لكن نجاح هذه الخطوة في سوريا يتطلب تسعيراً شفافاً مرتبطاً بالسعر العالمي، وإشرافاً مصرفياً محترفاً، وقدرة على التسوية الفورية، وبدون ذلك، قد يتحول دمج الذهب إلى مصدر جديد للمضاربات بدلاً من أن يكون أداة استقرار.
بين الطموح والواقع: ما الذي يمكن أن يتحقق؟
وقال قوشجي: لا شك أن إنشاء منصة إلكترونية ودمج الذهب مع العملات يمثلان محاولتين جادتين للخروج من الحلقة المفرغة التي يعيشها سعر الصرف، لكن نجاحهما يتوقف على البيئة النقدية والمؤسسية المحيطة، وليس على التكنولوجيا وحدها.
فالاقتصاد السوري يحتاج قبل كل شيء إلى:
– إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي
– تحسين تدفقات القطع الأجنبي عبر الإنتاج والتصدير
– إصلاحات قانونية وتنظيمية تعيد هيكلة السوق المالية
– قدرة تدخل نقدية حقيقية تمنع المضاربات العنيفة
وشدد على أنه ومن دون هذه الأسس، ستبقى المنصات مجرد أدوات شكلية لا تغيّر جوهر الأزمة.
وختم قوشجي بالقول: إن استقرار سعر الصرف لا يتحقق عبر منصات أو بيانات صحفية، بل عبر بيئة اقتصادية منتجة، وقطاع مصرفي قادر، واحتياطيات كافية، وسياسات نقدية واقعية. المنصة الإلكترونية قد تكون جزءاً من الحل، ودمج الذهب قد يخفف الضغط على الدولار، لكن النجاح الحقيقي يتطلب إصلاحاً نقدياً عميقاً يعيد الثقة إلى الليرة ويعيد ربط الاقتصاد السوري بالاقتصاد الحقيقي.





