أما ضبط هذه الجرعة فليس مما يتحدد في أثناء الكتابة نفسها بقدر ما يتحدد في مراحل المراجعة وإعادة الكتابة. في هذه المرحلة، وأثناء عودتي إلى النص، أستشعر ما إذا كانت الدعابة تعمل عمل النافذة، لأنها تكشف مفارقة ما، أو قدرا من البصيرة، أو شيئا من الهشاشة الإنسانية، أم أنها صارت أشبه بستار يهون من حدة المشهد أكثر مما ينبغي فيضعف أثره. عندئذ إما أن أحكم العبارة وأحذف منها، وإما أن أترك هذا الخفيف يطفو بقدر محسوب، بحيث يحتفظ النص كله بإيقاعه وتنفسه.
حضور الصمت
الصمت في الرواية حضور فاعل وقوة تنظم الحركة: كيف تمنحين هذا الصمت سلطة تقرأ بوصفها خيارا وحدا واعيا؟
رهان النص هو أن يتساءل عما يدخل في باب العادات الراسخة في الأجساد، وفي طرق الكينونة التي لا توضع موضع سؤال، وأن يجعلها تنكشف عند إعادة النظر. تسعى الرواية إلى سبر الكيفية التي يتشكل بها هذا الصمت، وهو صمت لا يستقر على معنى واحد: قد يكون حماية، قد يكون تحفظا، وقد يكون خوفا في كثير من الأحيان. إن السر آلية ذات دوافع متعددة تتبدل مع مرور الزمن تبعا للكلمات التي يتحاشى قولها، وتلك التي يسمح لها بالمرور.

يقود مسار النص الراوية إلى إعادة قراءة عناصر من حياتها على ضوء ما تكتشفه حول تلك المأساة العائلية، فتدرك مقدار ما تركه ذلك الحدث في حياتها هي، وتتبين أيضا إلى أي حد أسهمت وهي طفلة في ترسيخ هذا الصمت، حين قبلته بوصفه قاعدة ضمنية، فالطفل لا يستطيع تقدير وقع مأساة حدثت قبل ولادته، وذلك لأنه يعيش في عالم تبدو فيه تلك المأساة كأنها غير موجودة فيه، وحيث يصبح غياب الأسئلة حدا فاصلا من غير أن يشعر.

أنت آتية من مهنة تقوم على الإنصات والتقاط الأثر الصوتي ثم تركيبه، هل جاء دخولك الرواية امتدادا طبيعيا لهذا الحس أم انتقالا إلى أرض جديدة؟
الكتابة الأدبية والكتابة الصوتية تصدران عندي عن الدافع نفسه نحو الكتابة. إنه الفعل السردي الحساس نفسه في الجوهر: إصغاء إلى الواقع، إلى ما يدرك ويحس، وإلى ما يقال وما يسكت عنه. أما الوسائل والموارد التي تقوم عليها صناعة كل منهما فمختلفة في طبيعة الحال، لكنني أعيشهما بوصفهما حركة واحدة. هذان المساران يتغذى أحدهما من الآخر عندي وبينهما مسامات مفتوحة بحيث يتجاوبان ويتبادلان التأثير.








