سن التقاعد وإعادة تعريف الذات .. من "فقدان الدور" إلى اكتشاف المعنى
يُثير التقاعد تمثلات متباينة لدى الأفراد، بين من ينظر إليه كتتويج طبيعي لمسار مهني حافل يستحق الاحتفاء، وبداية لمرحلة جديدة أكثر هدوءًا وحرية في تدبير الزمن، وبين من يستقبله بقلق عميق باعتباره إعلانًا غير مباشر عن نهاية الصلاحية المهنية، ومدخلًا لمرحلة يشعر فيها بتراجع دوره ومكانته داخل المجتمع، وهو ما يجعل هذه اللحظة الفاصلة محمّلة بدلالات نفسية واجتماعية معقدة تختلف باختلاف التجارب والتصورات الفردية.
قلق التقاعد
ندى الفضل، أخصائية ومعالجة نفسية إكلينيكية، قالت إن “التقاعد يُعدّ مرحلة انتقالية عميقة في حياة الإنسان، لا تقتصر أهميتها على التوقف عن العمل، بل تمتد لتلامس بنية الهوية النفسية والاجتماعية للفرد، ولهذا السبب تتباين نظرة الناس إليه بين من يراه تتويجًا لمسار مهني حافل وبداية لمرحلة أكثر هدوءًا وحرية، ومن يتعامل معه كإعلان غير مباشر عن نهاية الصلاحية والدخول في ما يشبه العدّ التنازلي للحياة”.
وأضافت الفضل، في تصريح لهسبريس، أنه “من الناحية النفسية يرتبط هذا الاختلاف أساسًا بكيفية بناء الفرد هويته”، موضحة أنه “بالنسبة للبعض يشكل العمل حجر الزاوية في تعريف الذات، إذ تتداخل المهنة مع الإحساس بالقيمة والجدوى، وعند التقاعد قد يشعر هؤلاء وكأنهم فقدوا جزءًا أساسيًا من أنفسهم، ما يفتح الباب أمام الإحساس بالفراغ أو التراجع”، ومستدركة بأن “هناك في المقابل من بنوا هويتهم على أبعاد متعددة، تشمل العلاقات الاجتماعية، والهوايات، والأدوار الأسرية، فيرون في التقاعد فرصة للتحرر من القيود المهنية والانفتاح على جوانب أخرى من الحياة”.
وأكدت الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية أن “الإحساس بالتحكم يلعب دورًا حاسمًا في تشكيل هذه النظرة، فحين يكون التقاعد قرارًا ذاتيًا ومخططًا له يشعر الفرد بالقدرة على توجيه مسار حياته، فيتقبله بإيجابية، أما إذا فُرض عليه بفعل السن أو الظروف فقد يُعاش كتجربة فقدان للسيطرة، وهو ما يرتبط غالبًا بمشاعر العجز أو الإحباط”.
ونبّهت المتحدثة ذاتها إلى أن “طريقة التفكير تؤثر في تفسير هذه المرحلة”، مبرزة أن “العقلية المرنة تميل إلى رؤية التقاعد كبداية جديدة مليئة بالإمكانات، بينما يغلب على التفكير الكارثي ربطه بالنهاية والمرض والتراجع”، مشددة على أنه “لا يمكن إغفال دور المجتمع في ترسيخ هذه التصورات، إذ إن الثقافات التي تمجّد الإنتاج المستمر قد تجعل المتقاعد يشعر بأنه خارج دائرة الفاعلية، في حين أن مجتمعات أخرى تمنحه مكانة قائمة على الحكمة والخبرة”.
ولفتت الفضل إلى أن “العامل الحاسم في النهاية يبقى هو الاستعداد النفسي والواقعي لهذه المرحلة”، مشيرة إلى أن “الأشخاص الذين يخططون لما بعد التقاعد، ويستثمرون في اهتماماتهم وعلاقاتهم، يعيشون هذا الانتقال بسلاسة ومعنى، أما من يجدون أنفسهم فجأة أمام فراغ زمني ونفسي فقد يواجهون صعوبة في التكيف”.
وختمت ندى الفضل توضيحها بالإشارة إلى أن “التقاعد لا يحمل معنى واحدًا ثابتًا، بل يعكس في جوهره علاقة الإنسان بذاته وبالزمن وبفكرة التغير، فهو إما أن يُعاش كنهاية لدور مهني فقط، أو كبداية لمرحلة جديدة يمكن أن تكون أكثر ثراءً وعمقًا”.
آفاق جديدة
مصطفى السعليتي، أستاذ باحث في علم النفس الاجتماعي رئيس شعبة علم النفس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض بمراكش، قال إن “موضوع التقاعد مهم جداً، ومن الضروري تناوله بمقاربات مختلفة ومتكاملة، تشمل أولا المقاربة النفسية – الاجتماعية، ثم المقاربات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والصحية… أي مقاربات متعددة ومتكاملة لفهم كيف يعيش الإنسان مرحلة ما بعد التقاعد، أي ما بعد نهاية الحياة المهنية، وكيف يفكر فيها أصلاً، وكيف يتصورها ويعيشها فعلاً”.
وأضاف الأستاذ الجامعي ذاته، في تصريح لهسبريس، أن “هذا الموضوع لم يتم الخوض فيه كثيراً، رغم أهميته البالغة”، وزاد: “قبل تفسير هذه الإشكالية المرتبطة بالحياة المهنية من الضروري الإشارة إلى المعنى السلبي الذي ارتبط بالتقاعد، إذ يُفهم أحياناً بمعنى ‘القعود’، أي الجلوس، وكأنه جلوس في انتظار شيء ما، بل كأنه انتظار للموت، وكأن الحياة تختزل فقط في العمل، وهذا المعنى السلبي ينبغي تجاوزه أو تعويضه بمعنى آخر أكثر إيجابية”.
وأشار السعليتي إلى أن “العديد من اللغات العالمية لا تعطي للتقاعد هذا المعنى المرتبط بالجلوس أو الانتظار، وربما ارتبط هذا التصور بفترات كان فيها العمل يستنزف طاقة الإنسان وصحته بشكل كبير، فلا يبقى له بعده سوى الراحة، دون أي نشاط يُذكر، وهو ما جعله يُفهم كمرحلة تسبق نهاية الحياة؛ غير أن العقليات والثقافات تغيرت، كما تغيرت علاقة الإنسان بالزمن، خاصة زمن ما بعد الحياة المهنية”.
وأضاف المتحدث ذاته أن “السؤال الأساسي الذي ينبغي طرحه هو: هل يمكن أن يمثّل التقاعد مشروعَ حياة جديدة؟”، وواصل موضحا: “عندما ننظر إليه كمشروع حياة جديدة فإن ذلك يحمل دلالة التفاؤل، حيث يعيش الإنسان مرحلة أخرى مليئة بالأنشطة التي يمارسها بحرية، بعيداً عن إكراهات العمل وضغوطاته الصحية والنفسية والمعنوية، أما إذا اعتُبر وضعاً مفروضاً فقد يتحول إلى عبء يصعب التكيف معه”.
وطرح الباحث نفسه سؤالا مرتبطا بكيفية خروج الإنسان من الحياة المهنية، قائلا: “هل يخرج منها في وضع صحي ونفسي جيد، بعد أن كان يتمتع بجودة حياة، أم يخرج منها منهكاً؟”، موضّحا أن “ذلك يؤثر بشكل مباشر على طريقة استقباله مرحلة التقاعد، فالشخص الذي حافظ على صحته ونمط حياة متوازن يستقبل هذه المرحلة بنشاط وفرح، ويعيش حياة أسرية واجتماعية غنية، مليئة بالأنشطة التي تعزز الرفاه النفسي، مثل السفر والرياضة وغيرها”.
وأكد أستاذ علم النفس الاجتماعي أن “علاقة الإنسان بالتقاعد تختلف أيضاً باختلاف طبيعة عمله، ومدى ما كان يوفره له من علاقات اجتماعية ومكانة وسلطة، إذ إن بعض الأشخاص تكون حياتهم المهنية غنية بالعلاقات والامتيازات، وعند انتهائها يشعرون وكأنهم فقدوا كل شيء، خاصة إذا لم يكن لديهم امتداد اجتماعي خارج إطار العمل”.
وفي المقابل أشار السعليتي إلى أن “هناك من كان مستعداً لهذه المرحلة، فحافظ على صحته، ومارس أنشطة موازية، كالثقافة والرياضة، وهؤلاء يجدون في التقاعد فرصة لمواصلة حياة نشيطة، وليس نهاية لها، بل بداية صفحة جديدة أكثر حرية وراحة”، مضيفا أن “التقاعد يرتبط أيضاً بصورة الإنسان عن ذاته، وبتمثلاته حول السن، فهناك من يحمل تصورات سلبية عن سن الـ64 أو 65، ويعتبره سن الشيخوخة والعجز، ما يؤثر على قدرته على التكيف”.
وختم مصطفى السعليتي توضيحه بالتأكيد على أن “التكيف مع التقاعد يرتبط كذلك بطبيعة العلاقات الاجتماعية خارج العمل، فهناك من كانت علاقاته محصورة في الإطار المهني، بينما استطاع آخرون بناء شبكة علاقات متنوعة في مجالات مختلفة، وهو ما يجعل التقاعد بالنسبة لهم فرصة لتعزيز هذه العلاقات، وقضاء أوقات ممتعة ومفيدة”.
The post سن التقاعد وإعادة تعريف الذات .. من "فقدان الدور" إلى اكتشاف المعنى appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



