سمير حمدان ــ بودابست : حركة فتح… جنازة النظام القديم وصناعة جيفارا فلسطيني
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أخبارنا
2026/05/23 - 03:00
502 مشاهدة
"الزفّة كبيرة والعريس غايب”، ربما لا يوجد مثل شعبي يختصر مشهد مؤتمر حركة فتح الثامن أكثر من هذه العبارة، فكل شيء كان حاضرًا داخل القاعة، التصفيق، والإجماع، والحرس، والشعارات، والبروتوكولات، وحتى الوريث المحتمل، إلا الغائب الحقيقي، أي المشروع الوطني الفلسطيني الذي يفترض أن تُعقد المؤتمرات من أجل إنقاذه لا من أجل إدارة لحظة تآكله البطيء .
أخطر ما كشفه المؤتمر لم يكن شيخوخة القيادة وحدها، بل تحوّل النظام السياسي الفلسطيني من حركة تحرر إلى بنية تخاف التغيير أكثر مما تخاف الاحتلال نفسه، فالمشهد لم يعد يشبه تنظيمًا يقود شعبًا يعيش واحدة من أخطر لحظاته التاريخية، بل مؤسسة قديمة تحاول حماية توازناتها الداخلية كي لا يكتشف الجمهور أن المشروع السياسي فقد تدريجيًا قدرته على إنتاج المستقبل .
لو شاهد مراقب أجنبي وقائع المؤتمر دون أن يعرف شيئًا عن فلسطين، لظن أنه يحضر اجتماعًا لمجلس إدارة شركة عائلية تبحث عن انتقال آمن للنفوذ بعد تقدّم المؤسس في العمر، لا مؤتمرًا لحركة خرجت يومًا من المخيمات والمنفى والبندقية، رئيس يُعاد انتخابه بالإجماع قبل بدء النقاش، وتصفيق طويل يحلّ محل السياسة، وكأن الديمقراطية تحولت إلى طقس بروتوكولي يمنح الشرعية الشكلية لنظام يخشى الاختبار الحقيقي للشارع .
لكن المفارقة الأعمق أن هذا كله يجري بينما تجاوزت إسرائيل فعليًا منطق أوسلو، وانتقلت من فكرة "السلام النهائي” إلى إدارة دائمة للصراع عبر الاستيطان، والضم، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، في حين ما تزال أجزاء من القيادة الفلسطينية تتعامل مع الاتفاق وكأنه مشروع قابل للإنقاذ، رغم أن الوقائع دفنته منذ سنوات تحت الإسمنت، والحواجز، والخرائط التي تعاد صياغتها بالقوة كل يوم .
وفي قلب هذا المشهد ظهر التوريث السياسي مغلفًا بلغة الثورة، فالنظام الذي عجز عن إنتاج قيادات جديدة بدأ يلمّع فكرة "الوريث الوطني”، حتى بدا أحيانًا وكأن المطلوب من الفلسطينيين تصديق أن النضال ينتقل بالجينات، وأن الرمز يمكن تصنيعه عبر الصور، والخطابات، والتصفيق، لا عبر التجربة، والتضحية، والقدرة على تمثيل المزاج الشعبي الحقيقي .
هنا يصبح الحديث عن "جيفارا فلسطيني” ذروة المفارقة، لأن الرمز الثوري لا يُصنع داخل قاعة مغلقة بين الحرس والبروتوكول، بل في الاحتكاك المباشر مع الواقع، وفي القدرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي حي، ولو عاد تشي جيفارا نفسه، فربما سيُطلب منه أولًا انتظار موافقة اللجنة المركزية قبل أن يُمنح صفة "ثائر” .
المأزق الأعمق لا يتعلق بالأشخاص فقط، بل بتحول جزء كبير من النظام الفلسطيني من عقلية التحرر إلى عقلية الإدارة، أي إدارة الأزمة بدل محاولة تغيير شروطها، وهذه أخطر لحظة تمر بها أي حركة وطنية، حين تصبح المؤسسة معنية بحماية نفسها أكثر من حماية فكرتها الأصلية، وحين تتحول الذاكرة الثورية من قوة تدفع المجتمع إلى الأمام، إلى أداة تُستخدم لإقناع المجتمع بأن الجمود أقل خطرًا من التغيير .
في العلوم السياسية، تُصاب الأنظمة القديمة غالبًا بما يُعرف بـ”وهم الشرعية التاريخية”، أي الاعتقاد أن الماضي قادر وحده على إنتاج الطاعة إلى الأبد، لكن المجتمعات لا تعيش على الذاكرة وحدها، والأجيال الجديدة لا تسأل ماذا فعلت الثورة قبل خمسين عامًا، بل ماذا تفعل الآن وسط الاستيطان، والانقسام، وفقدان الأفق، وتراجع الثقة الشعبية بكل البنى السياسية التقليدية، خصوصًا لدى جيل فلسطيني وُلد بعد أوسلو ولم يرَ من المشروع السياسي سوى الانقسام والإدارة اليومية للأزمة .
المفارقة القاسية أن المجتمع الفلسطيني يبدو أكثر حيوية من نظامه السياسي، في الجامعات، والتكنولوجيا، والإعلام، والاقتصاد، والشتات، والمبادرات الفردية، بينما تبدو المؤسسات الرسمية عالقة داخل أرشيف قديم تخاف فتحه، لأن فتحه يعني الاعتراف بأن الزمن تغيّر، وأن الشرعية لا تُصان بالشعارات ولا بتاريخ الثورة وحده، بل بالقدرة على إنتاج أفق وطني جديد يتجاوز منطق الورثة والحراس، ويعيد تعريف معنى التمثيل السياسي في مرحلة تتغير فيها المنطقة كلها بسرعة غير مسبوقة .
ولهذا فإن أخطر ما يواجه الفلسطينيين اليوم ليس الاحتلال وحده، بل احتمال تحوّل القضية نفسها إلى ملكية سياسية مغلقة يحتكر إدارتها الحراس، والورثة، والمنتفعون باسم التاريخ والثورة والشرعية القديمة، لأن الثورات لا تموت فقط حين تُهزم، بل حين يصبح أكبر إنجاز للنظام السياسي قدرته على تنظيم التصفيق بينما ينهار المشروع الوطني بصمت، ويتحوّل الورثة أخيرًا إلى حرّاس لمتحف اسمه فلسطين .
أخطر ما كشفه المؤتمر لم يكن شيخوخة القيادة وحدها، بل تحوّل النظام السياسي الفلسطيني من حركة تحرر إلى بنية تخاف التغيير أكثر مما تخاف الاحتلال نفسه، فالمشهد لم يعد يشبه تنظيمًا يقود شعبًا يعيش واحدة من أخطر لحظاته التاريخية، بل مؤسسة قديمة تحاول حماية توازناتها الداخلية كي لا يكتشف الجمهور أن المشروع السياسي فقد تدريجيًا قدرته على إنتاج المستقبل .
لو شاهد مراقب أجنبي وقائع المؤتمر دون أن يعرف شيئًا عن فلسطين، لظن أنه يحضر اجتماعًا لمجلس إدارة شركة عائلية تبحث عن انتقال آمن للنفوذ بعد تقدّم المؤسس في العمر، لا مؤتمرًا لحركة خرجت يومًا من المخيمات والمنفى والبندقية، رئيس يُعاد انتخابه بالإجماع قبل بدء النقاش، وتصفيق طويل يحلّ محل السياسة، وكأن الديمقراطية تحولت إلى طقس بروتوكولي يمنح الشرعية الشكلية لنظام يخشى الاختبار الحقيقي للشارع .
لكن المفارقة الأعمق أن هذا كله يجري بينما تجاوزت إسرائيل فعليًا منطق أوسلو، وانتقلت من فكرة "السلام النهائي” إلى إدارة دائمة للصراع عبر الاستيطان، والضم، وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية، في حين ما تزال أجزاء من القيادة الفلسطينية تتعامل مع الاتفاق وكأنه مشروع قابل للإنقاذ، رغم أن الوقائع دفنته منذ سنوات تحت الإسمنت، والحواجز، والخرائط التي تعاد صياغتها بالقوة كل يوم .
وفي قلب هذا المشهد ظهر التوريث السياسي مغلفًا بلغة الثورة، فالنظام الذي عجز عن إنتاج قيادات جديدة بدأ يلمّع فكرة "الوريث الوطني”، حتى بدا أحيانًا وكأن المطلوب من الفلسطينيين تصديق أن النضال ينتقل بالجينات، وأن الرمز يمكن تصنيعه عبر الصور، والخطابات، والتصفيق، لا عبر التجربة، والتضحية، والقدرة على تمثيل المزاج الشعبي الحقيقي .
هنا يصبح الحديث عن "جيفارا فلسطيني” ذروة المفارقة، لأن الرمز الثوري لا يُصنع داخل قاعة مغلقة بين الحرس والبروتوكول، بل في الاحتكاك المباشر مع الواقع، وفي القدرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي حي، ولو عاد تشي جيفارا نفسه، فربما سيُطلب منه أولًا انتظار موافقة اللجنة المركزية قبل أن يُمنح صفة "ثائر” .
المأزق الأعمق لا يتعلق بالأشخاص فقط، بل بتحول جزء كبير من النظام الفلسطيني من عقلية التحرر إلى عقلية الإدارة، أي إدارة الأزمة بدل محاولة تغيير شروطها، وهذه أخطر لحظة تمر بها أي حركة وطنية، حين تصبح المؤسسة معنية بحماية نفسها أكثر من حماية فكرتها الأصلية، وحين تتحول الذاكرة الثورية من قوة تدفع المجتمع إلى الأمام، إلى أداة تُستخدم لإقناع المجتمع بأن الجمود أقل خطرًا من التغيير .
في العلوم السياسية، تُصاب الأنظمة القديمة غالبًا بما يُعرف بـ”وهم الشرعية التاريخية”، أي الاعتقاد أن الماضي قادر وحده على إنتاج الطاعة إلى الأبد، لكن المجتمعات لا تعيش على الذاكرة وحدها، والأجيال الجديدة لا تسأل ماذا فعلت الثورة قبل خمسين عامًا، بل ماذا تفعل الآن وسط الاستيطان، والانقسام، وفقدان الأفق، وتراجع الثقة الشعبية بكل البنى السياسية التقليدية، خصوصًا لدى جيل فلسطيني وُلد بعد أوسلو ولم يرَ من المشروع السياسي سوى الانقسام والإدارة اليومية للأزمة .
المفارقة القاسية أن المجتمع الفلسطيني يبدو أكثر حيوية من نظامه السياسي، في الجامعات، والتكنولوجيا، والإعلام، والاقتصاد، والشتات، والمبادرات الفردية، بينما تبدو المؤسسات الرسمية عالقة داخل أرشيف قديم تخاف فتحه، لأن فتحه يعني الاعتراف بأن الزمن تغيّر، وأن الشرعية لا تُصان بالشعارات ولا بتاريخ الثورة وحده، بل بالقدرة على إنتاج أفق وطني جديد يتجاوز منطق الورثة والحراس، ويعيد تعريف معنى التمثيل السياسي في مرحلة تتغير فيها المنطقة كلها بسرعة غير مسبوقة .
ولهذا فإن أخطر ما يواجه الفلسطينيين اليوم ليس الاحتلال وحده، بل احتمال تحوّل القضية نفسها إلى ملكية سياسية مغلقة يحتكر إدارتها الحراس، والورثة، والمنتفعون باسم التاريخ والثورة والشرعية القديمة، لأن الثورات لا تموت فقط حين تُهزم، بل حين يصبح أكبر إنجاز للنظام السياسي قدرته على تنظيم التصفيق بينما ينهار المشروع الوطني بصمت، ويتحوّل الورثة أخيرًا إلى حرّاس لمتحف اسمه فلسطين .




