سمر الصوالحي : هل يُنتج الأردن شباباً رقميين أم يكتفي بصناعة مستهلكين للتكنولوجيا؟
حين يلجأ شاب أردني إلى ChatGPT ليسأله عن مستقبله، بينما ينشغل شاب
إماراتي بالتقديم لمنحة في برنامج وطني متخصص للذكاء الاصطناعي، فالمسألة
لا تتعلق بفارق في الذكاء أو الطموح.
المسألة أعمق من ذلك بكثير: إنها مسألة نظام بيئي كامل يحدد موقع الشباب: في صفوف المنتجين، أم على هامش الاستهلاك.
في
الأردن، ما زال "تمكين الشباب رقمياً" يدور في حلقة مفرغة: ورش تدريبية
متكررة، دورات تأسيسية، وشهادات حضور لا تلبث أن تفقد قيمتها سريعاً. ورغم
أن المملكة تسجل نسباً مرتفعة من التعليم بين الشباب، إلا أن هذا التعليم
نادراً ما يُترجم إلى قيمة اقتصادية رقمية حقيقية.
السؤال الصعب الذي
نتجنب طرحه: كم شاباً تعلم البرمجة ضمن مبادرات رسمية، ثم حصل على فرصة
عمل فعلية نتيجة لذلك؟ الإجابة، في أفضل الأحوال، محدودة للغاية.
الإشكالية
لا تكمن في قدرات الشباب، بل في الفجوة بين ما يُدرَّس وما يحتاجه السوق.
يتعلم الشاب مهارات لا يطلبها سوقه المحلي، بينما تغيب عنه المهارات التي
يحتاجها فعلاً.
والأخطر من ذلك هو غياب "المرشد الرقمي". في بيئات
أكثر نضجاً، يجد الشاب من يرشده، يفتح له الأبواب، ويختصر عليه سنوات من
التجربة والخطأ.
أما في الأردن، فيتوه الموهوب بين مؤسسات متعددة، تعمل غالباً دون تنسيق فعلي.
في المقابل، قدمت الإمارات نموذجاً مغايراً: لم تنتظر التحول الرقمي، بل قررت أن تكون جزءاً من صناعته.
أنشأت كيانات واضحة، بمهام محددة وصلاحيات حقيقية، تضع الشباب في قلب عملية التطوير.
هناك،
لا تبقى مشاريع التخرج حبراً على ورق، بل تتحول إلى شركات ناشئة، ولا
يتوقف التدريب عند الجانب النظري، بل يرتبط مباشرة بحلول تُطبَّق داخل
مؤسسات الدولة.
الفكرة بسيطة: التعلم مرتبط بالإنتاج، والإنتاج مرتبط بالفرص.
أما
في الأردن، فلا تزال الجهود موزعة بين جهات متعددة، دون مظلة موحدة تقود
المشهد. الشاب الذي يحمل فكرة يجد نفسه مضطراً للتنقل بين أكثر من مؤسسة،
دون مسار واضح أو نتيجة مضمونة.
يمكن تلخيص التحدي في ثلاث نقاط رئيسية:
غياب جهة مركزية تملك الصلاحيات وتقود الملف برؤية واضحة.
تشتت المسؤوليات بين المؤسسات دون تكامل حقيقي.
ضعف الحوافز المادية والمعنوية التي تشجع الشباب على الاستمرار والإبداع.
لكن الصورة ليست مغلقة. ما يزال بالإمكان إعادة ضبط المسار إن توفرت الإرادة.
أولاً:
إنشاء مظلة وطنية موحدة تُعنى بالشباب والذكاء الاصطناعي، تمتلك صلاحيات
حقيقية، وتعمل على ربط الجهود بدلاً من تكرارها بالتوازي.
ثانياً: إعادة تعريف العلاقة بين التعليم وسوق العمل، بحيث تصبح مشكلات الدولة نفسها مادة لمشاريع الطلبة، لا مجرد أمثلة نظرية.
ثالثاً:
خلق حوافز حقيقية – ولو كانت محدودة – يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً. فبيئة
تُكافئ الإنجاز وتمنح الفرص قادرة على تحويل الطاقات الكامنة إلى نتائج
ملموسة.
لأن الاستمرار في النهج الحالي يعني اتساع الفجوة، ليس فقط على مستوى التكنولوجيا، بل على مستوى الفرص أيضاً.
الأفضل سيغادر بحثاً عن بيئة تحتضنه، بينما يبقى الآخرون في دائرة الاستهلاك.
في
النهاية، القضية ليست تقنية بحتة، بل خيار وطني: هل نريد جيلاً يشارك في
صناعة المستقبل، أم جيلاً يكتفي باستخدام ما يصنعه الآخرون؟
الإجابة لا تحتاج إلى مزيد من الندوات والجولات الحوارية.
الإجابة تحتاج إلى قرار.
ــ الراي




