سلخ الأمازيغية
الأمازيغية بين الهوية والتوظيف الإيديولوجي
في خضم النقاش حول الهوية الأمازيغية والنهوض باللغة الأمازيغية، برزت فئة من الناشطين الذين تبنّوا خطابًا علمانيًّا متطرّفًا، بل وإلحاديًّا في بعض الأحيان، ونصّبوا أنفسهم أوصياء على معنى أن تكون أمازيغيًّا في المغرب. هؤلاء لا يرون في الأمازيغ إلا مشروعًا لاقتلاعهم من جذورهم الإسلامية، وجرّهم إلى قطيعة تامة مع دينهم وتاريخهم وقيمهم.
يقضي هؤلاء المفكرون المزعومون جلَّ وقتهم في مهاجمة الإسلام والعربية، مُصوِّرين إيّاهما كعدوّ وجودي للقضية الأمازيغية. وفي خطابهم التضليلي، يدعون الأمازيغ إلى الانسلاخ عن إيمانهم، ورفض كلّ ما هو عربي، بدعوى استعادة الأصالة والهوية الحقيقية. هذا الخطاب لا يكتفي بتشويه الواقع، بل يهين الأغلبية الساحقة من الأمازيغ الذين يجمعون بين اعتزاز راسخ بالإسلام وتمسّك عميق بقيمهم المحافظة وانتمائهم الأمازيغي في آن واحد.
أحد الأمثلة الفجّة على هذه السردية الشاذّة ما سمعته في بث مباشر على منصة تيك توك؛ إذ خرج أحد من يقدم نفسه على أنه ناشط في القضية الأمازيغية ليُعلن بحماسة: “بعد أربعين سنة من النضال، كما يدّعي، اقتنعت أنه لا يمكن لأمازيغي أن يكون مسلمًا”. هذه العبارة ليست مجرد رأي خاطئ؛ بل هي من أكثر المقولات حماقة ووقاحة يمكن سماعها. شخصيًا، أصبت بالذهول عند سماعي لهذا الهراء. إنها تعكس جهلًا مركّبًا أو تعمّدًا فاضحًا لتزوير تاريخ الأمازيغ وثقافتهم، وتكشف رغبة واضحة في صناعة قطيعة مصطنعة بين الأمازيغ ودينهم.
لقد كان الأمازيغ، عبر القرون، مسلمين فخورين بإيمانهم، متشبثين في الوقت نفسه بهويتهم ولغتهم وتراثهم. وبقاء الأمازيغية حيّة بيننا اليوم، رغم تعاقب الدول والحضارات على هذه الأرض، شاهد حيّ على قدرة الأمازيغ على التوفيق بين مختلف الأديان واللغات وهويتهم الأصيلة دون عقدة نقص ولا تبعية لأحد. الادعاء بأن الإسلام نقيض للأمازيغية ليس قراءة للتاريخ، بل محاولة سافرة لإعادة كتابة التاريخ خدمةً لأجندة أيديولوجية ضيّقة لا تعبّر إلا عن أصحابها.
الإسلام ليس تفصيلًا ثانويًّا في حياة الأمازيغ حتى يُطلب منهم التخلّي عنه تحت مسمّيات التحرر أو الحداثة. الإسلام، في وعي الأمازيغ، جزء من معنى الشرف والكرامة والانتماء، ومنهج حياة يحدّد نظرتهم للعالم وقيمهم واختياراتهم. تجاهل هذه الحقيقة، أو السخرية منها، ليس نقاشًا فكريًّا، بل احتقار صريح لروح الأمازيغ الأحرار وتاريخهم ووجدانهم الجمعي.
والملاحظ أن أغلب هؤلاء المتطرفين يعيشون في فقاعة افتراضية، منسلخين عن الواقع اليومي للناس، ولا يظهر نشاطهم إلا على شاشات الهواتف وفي زوايا مواقع التواصل الاجتماعي. زد على ذلك أن أغلبهم يعيشون خارج المغرب ويقضون ساعات في إطلاق الشعارات النارية من وراء الحسابات والمنصّات، بينما هم أبعد ما يكونون عن هموم الأمازيغ الحقيقية وقضاياهم المعيشية.
والحقيقة الواضحة لكل مطلع على مسار الحركة الأمازيغية هي أن هؤلاء لا علاقة لهم جوهريًّا بهذه الحركة الجادة التي تجسّدها جمعيات وهيئات معروفة، تشتغل منذ سنوات في انسجام تام مع مؤسسات الدولة، من أجل ترسيخ الحقوق اللغوية والثقافية والرمزية للأمازيغ، ضمن مشروع وطني جامع. هذا العمل الهادئ والمتراكم هو الذي حقق مكاسب ملموسة على الأرض، أهمها دسترة اللغة الأمازيغية وتدريسها، وما زال يناضل من أجل مزيد من الإنصاف والعدالة المجالية والاجتماعية لكل المغاربة، بعيدًا عن منطق الصدام والشعارات العدائية الإقصائية.
لا يكتفي هؤلاء المتطرفون بفرض قراءتهم الإقصائية للهوية الأمازيغية، بل يهاجمون أيضًا كل أمازيغي يحاول الدفاع عن أمازيغيّته في انسجام مع عروبته وإسلامه، ولا ينكر ما حققته العربية والإسلام من إغناء لثقافتنا المشتركة. فورًا يُلصقون به تهمة الاستلاب الفكري والخضوع للمشرق، وكأن الاعتراف بالتفاعل الطبيعي بين الأمازيغية والإسلام والعربية خيانة، بينما هو في الحقيقة توصيف أمين لمسار تاريخي طويل صاغ وجدان الإنسان الأمازيغي على هذه الأرض.
إلى جانب ذلك، برزت أيضًا محاولات لتسييس القضية الأمازيغية، وسحبها من مجالها الطبيعي كقضية حقوق ثقافية واجتماعية واقتصادية عادلة، إلى صراعات إيديولوجية وحزبية ضيقة. مثل هذا التسييس لا يخدم الأمازيغ ولا المغاربة، بل يحوّل مطلب الكرامة واللغة والعدالة المجالية إلى أداة للمزايدة والانقسام، في حين أن الهدف الأصلي هو تحقيق حقوق منصفة لكل المواطنين في إطار واحد موحِّد لا مفرِّق.
من خلال مساواة العلمانية المتطرفة بالأصالة الأمازيغية، يدفع هؤلاء الناشطون الناس دفعًا إلى النفور من خطابهم، ويحوّلون القضية الأمازيغية من مشروع جامع إلى مشروع إقصائي يطعن في إيمان الأغلبية ويتعالى على ثقافتهم اليومية. المجتمع الأمازيغي مجتمع متنوّع، لكنه في عمومه متديّن ومحافظ، ولا يقبل أن يُملى عليه أن الطريق الوحيد ليكون أمازيغيًّا حقيقيًّا هو أن يقطع صلته بدينه. ترسيخ اللغة الأمازيغية لا يحتاج إلى إعلان الحرب على الإسلام، بل يمكن، ويجب، أن يتطوّر في انسجام مع الإطار الروحي والأخلاقي الذي عاش في ظله الأمازيغ قرونًا طويلة.
مع ذلك، يتحدث هؤلاء الناشطون كما لو أنهم التفويض الشعبي الوحيد للأمازيغ، فيسقطون في وهم تمثيل لا يملكونه. كل أمازيغي يرفض خطابهم العدائي ويؤكد أن هويته الأمازيغية لا تتعارض مع انتمائه العربي الإسلامي، يُرمى فورًا بتهمة الاستلاب والتبعية للمشرق، بدل أن يُحترم حقه في قراءة متوازنة لتاريخه وهويته. هذه العقلية التكفيرية الهوياتية لا تختلف، في جوهرها، عن كل خطاب متطرف يريد احتكار تعريف من هو الأمازيغي ومن هو العربي، وإقصاء كل من يخالفه. الأغلبية الساحقة من الأمازيغ لم تُفوِّض هؤلاء لمهاجمة الإسلام باسمها، ولا لتشويه علاقتها بالعربية، ولا لتقديم صورتها على أنها أقلية حاقدة على دينها. ادّعاء الحديث باسم الجميع مع تجاهل قناعات الأغلبية ليس شجاعة فكرية، بل مصادرة لصوت الناس ومحاولة لفرض رؤية أقلية صاخبة على مجتمع لا يشبههم.
المهمة الحقيقية لأي حركة صادقة في دفاعها عن الأمازيغية ليست سلخ الأمازيغ عن عقيدتهم، بل الدفاع عن لغتهم وحقوقهم الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والمجالية، ضمن إطار يحترم إيمانهم واختياراتهم. التقدم لا يتحقق بإعلان الحرب على ما يشكّل وجدان الناس، بل بتحرير اللغة من التهميش، وتمكين الإنسان الأمازيغي من التعليم والعمل والكرامة، مع احترام عمق انتمائه الإسلامي. من أراد خدمة الأمازيغية حقًّا، فليتعلّم أولًا كيف يستمع إلى الأمازيغ في قراهم ومدنهم ومساجدهم وأسرهم، لا أن يمطرهم من وراء الشاشات بخطابات مستوردة لا علاقة لها بواقعهم.
الأمازيغ شعب قويّ وعنيد، تعلّم عبر التاريخ كيف يصون هويته من الذوبان دون أن يتخلّى عن إيمانه. كل سردية تزعم أن الدفاع عن الأمازيغية يمر عبر تدمير الهوية الإسلامية للأمازيغ ليست دفاعًا عنهم، بل مشروعًا عدائيًّا ضدّهم، يُلبس قناع التحرر ليمرّر قطيعة هوياتية خطيرة. النضال الصادق من أجل الأمازيغية هو ذلك الذي يكرّم الصورة الكاملة للإنسان الأمازيغي: مسلمًا، معتزًّا بلغته، مفتخرًا بتاريخه، رافضًا أن يكون أداة في صراعات إيديولوجية غريبة عنه.
ختامًا، كمغربي مسلم من أصول أمازيغية وذو ثقافة عربية أمازيغية، أصرّ بلا مواربة على أن هؤلاء الناشطين الساعين إلى سلخ الأمازيغ عن هويتهم الإسلامية لا يمتّون إليّ بصلة، ولا أقبل أن يتحدّثوا باسمي أو باسم أسرتي أو قبيلتي أو تاريخي. إن ما يحملونه من أيديولوجيا ضيّقة هو اختيارهم وحدهم، لا يُلزمني في شيء، ولا يعبّر عن إيماني ولا عن أمازيغيتي التي أعتزّ بها متجذّرة في الإسلام لا مفصولة عنه.
-أستاذ باحث في علوم الطب الحيوي – معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، جامعة حمد بن خليفة
The post سلخ الأمازيغية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.



