سقوط الأقنعة: حقوق الإنسان في ميزان الاستعباد
تتجلى ازدواجية المعايير في أبهى صورها حين تصطدم الشعارات البراقة بالحقائق التاريخية الموجعة. ففي أروقة الأمم المتحدة، حيث تلقى الخطابات الرنانة حول الكرامة المتأصلة لبني البشر، وقف العالم مؤخرا أمام مشهد يعيد رسم خارطة الأخلاق السياسية؛ اعتمدت الجمعية العامة قرارا ينصف القارة الأفريقية باعتبار الاتجار بالأفارقة واسترقاقهم جريمة ضد الإنسانية لا تغتفر، لكن الموقف الغربي من هذا القرار جاء ليؤكد أن حقوق الإنسان ليست لغة عالمية موحدة، بل هي نص قابل للتأويل حسب جغرافيا الضحية وهوية الجاني.
إن امتناع دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة عن التصويت، وانتقال الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين إلى خندق المعارضة الصريحة، يمثل تجسيدا صارخا لسياسة الكيل بمكيالين. هذه الدول التي لا تتوانى عن استخدام ملفات حقوق الإنسان كأداة ضغط سياسي، وسيف مصلت على رقاب الدول النامية بدعوى الحريات، وجدت نفسها فجأة في موقف الدفاع. والسبب بسيط ولكنه عميق: إن الاعتراف بالاستعباد كجريمة أفظع وبمبرر عرقي يفكك السردية الغربية التي حاولت طويلا تصوير الاستعمار كرسالة تمدين، ويفتح الأبواب الموصدة أمام استحقاقات قانونية ومادية وتاريخية لم تعد هذه القوى قادرة أو راغبة في سدادها.
في المقابل، برز التحالف العربي الأفريقي (بقيادة غانا ودعم محوري من دول مثل مصر، الجزائر، المغرب، تونس، السودان، موريتانيا، جزر القمر، جيبوتي، والصومال) ليس فقط ككتلة تصويتية، بل كحركة وعي تسعى لاسترداد السيادة الأخلاقية. هذا التكتل وضع الغرب أمام مرآة الحقيقة: كيف يمكن لأوروبا التي تحاضر في قيم التسامح أن ترفض إدانة نظام المتاع البشري الذي كان حجر الزاوية في بناء اقتصادياتها؟ وكيف يمكن لواشنطن، التي تعيش صراعات داخلية مريرة مع إرث العنصرية، أن تعارض قرارا دوليا يصف الاستعباد بأنه جريمة ضد الإنسانية؟
إن هذه الازدواجية ليست مجرد خلل عابر في الدبلوماسية، بل هي بنيوية في النظام الدولي الذي صممه المنتصرون في الحروب الكبرى. فحقوق الإنسان في هذا المنظور هي منحة تعطى لمن يتماشى مع المصالح الغربية، وتهمة توجه لمن يعارضها، لكنها تصبح عبئا يجب التهرب منه إذا ما تعلق الأمر بمواجهة الذات والاعتراف بآثام الماضي.
إن ما حدث في الأمم المتحدة هو تذكير بليغ بأن المعركة من أجل العدالة الدولية لا تزال طويلة، وأن الإنسانية التي صدعوا بها رؤوس العالم لن تكتسب شرعيتها إلا حين تتوقف الدول الكبرى عن انتقاء الضحايا وتصنيف الجرائم وفق بوصلة المصالح والتعالي العرقي. فالحقوق لا تتجزأ، والتاريخ لا يمحى بالامتناع عن التصويت.


