سكاكين الخبّيزة التي ستقتلني لو اخترت الصمت
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
ليت الأمر توقّف عند المحاكم فقط، فعائلتي الممتدّة التي ربيت في بيوتها، وأكلت من زادها، ولعبت مع أطفالها، وتظاهرت مع شبابها، قرّرت أن تتبرّأ مني علناً. كنت في الصف الرابع الابتدائي، أدرس في مدينة قريبة من قريتي، الطالبة الوحيدة التي أتت من الريف وتتكلّم بالقاف! ما زلت أذكر الليالي التي قضيتها وأنا أبكي، وأكتم صوت بكائي تحت الغطاء حتى أنام، ثم أستيقظ في اليوم التالي لأذهب إلى المدرسة ذاتها وكأنّ شيئاً لم يكن. كان لا بدّ أن أتعلّم منذ صغري أن أبكي بصمت، لأني وأخوتي رأسمال أبي وأمّي، اللذين لم يكن لديهما امتياز في الحياة سوى أنهما متعلّمان ومثقّفان، وكذلك سيكون أطفالهما. يوم الأحد، كانت الحصّة الأولى هي الرياضة، ورغم البرد القارس، زرعنا مدرّس الرياضة في رتلين، كمسامير صلبة على حدّ قوله، لا تميل ولا تنحني، في باحة المدرسة، وراح يفتّش ما إذا كنّا ارتدينا البيجامات و”الأبواط”. وفي نهاية الرتل المحاذي لي، وقفت فتاة في صفّي، ليست صديقتي، لكنّها لطيفة، وصل التفتيش عندها، وقبل أن يسأل الأستاذ صارت تبكي وتُقسم له بأن بيجامتها لم تجفّ، رغم أن أمّها علّقتها على منشر صوبيا المازوت طوال الليل. لم يقتنع الأستاذ، وابتعد عنها قليلاً وطلب منها فتح يدها، ثم هوى بالخرطوم عليها، وصارت تنطّ كزنبرك! لقد كنّا فعلاً في ورشة خردة أو تصليح كائنات بشرية! التفتّ أنا وقلت له: “أستاذ حرام، أنا باكل عنها الخراطيم البقيّة!”. كنت أظنّ أن لديه من الفروسية ما يكفي ليعفو عن كلينا، لكنّه أكمل خرطومه الثاني، وضربني ثلاثة خراطيم، ثم قال لي: “مرّة تانية لا تكتري غلبة!”. بقيت أصابعي ملتهبة حتى نهاية الدوام، وبكيت قهراً وألماً، وحينما عدت إلى المنزل تحدّثت إلى والدي وقلت له: “فعلاً أشو بدّي بكترة هالغلبة!”، فقال لي: “والله يا بنتي مو أنتي كتيرة الغلبة، بس الأستاذ قليل مروءة”. لم أفهم يومها معنى المروءة، لكنّي شعرت أنها شيء يشبه الليدي أوسكار، برنامج الكرتون الذي أحببته كثيراً، لكنّ نهايته مؤلمة. أستطيع اليوم أن أقول بكل فخر: “أي، هكذا تربيت، وما زلت على عهد أبي، المرحوم عزّالدين جمعة الحجي، الأستاذ”. مرّت السنوات، وكبرت تلك الطفلة التي كانت تقف في باحة المدرسة ويداها ترتجفان من الألم، لكنّ شيئاً منها بقي في داخلي. بقيت تلك الفكرة البسيطة التي تشبه عناد الأطفال: أن الظلم يجب أن يُقال له “حرام”، وأن السكوت عنه لا يجعله أقلّ قسوة. تعلّمت لاحقاً أن العالم أكثر تعقيداً من ساحة مدرسة، وأن من يقول “حرام” قد يدفع الثمن. لكنّني تعلّمت أيضاً أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلاً وهو يتظاهر بأنه أعمى، وأن ما يمرّ أمامه لا يعنيه كأنه يعيش في كوكب آخر. ربما لهذا السبب، كلما واجهت موقفاً فيه ظلم، أسمع في داخلي صوت تلك الطفلة التي لم تكن بطلة، ولم تكن شجاعة بشكل استثنائي، كانت فقط طفلة لم تتحمّل أن ترى غيرها يُظلَم. بعد سنوات طويلة من تلك الواقعة الصغيرة، بدأت تصل أخبار مجازر الساحل وخطف النساء. أخبار وشهادات يصعب تصديقها من قسوتها. لم تكن امرأة من عائلتي قد خُطفت، ولم يكن لديّ سبب شخصي مباشر يجعلني أتكلّم. كان بإمكاني أن أقول إن الأمر لا يعنيني، أو أن أختار الصمت مثل كثيرين وكنت أعرف أن السكوت أحياناً هو الطريقة الأسهل، وأن الكلام قد يجلب المتاعب. ومع ذلك، قرّرت ألا أسكت. قلت إن ما يحدث يجب أن يُعترف به، وإن النساء لا يجوز أن يُستخدمن كسلاح في الحروب، ولا كأداة للانتقام الجماعي، ولا كورقة في الصراعات السياسية. في وقت قصير، تحوّل كلامي إلى سيف مصلت على رقبتي، فرُفعت ضدّي دعاوى، ووجدت نفسي أقف في المحاكم، أشرح وأدافع وأُعيد القول نفسه: الاعتراف بالانتهاكات ليس خيانة، والسكوت عنها ليس حياداً، والدولة التي حلمت بها هي التي تدافع عن كل السوريات والسوريين بغضّ النظر عن دينهم أو عرقهم، وأن أيّ انتهاك لامرأة هو انتهاك لي. لكن ليت الأمر توقّف عند المحاكم فقط، فعائلتي الممتدّة التي ربيت في بيوتها، وأكلت من زادها، ولعبت مع أطفالها، وتظاهرت مع شبابها، قرّرت أن تتبرّأ مني علناً. أكذب إن قلت إن ذاك لم يؤلمني، فالتخلّي مؤلم، ولا يتعلّق بهجر الأشخاص لك، لكنّه طعن في قلب تاريخك وماضيك وذكرياتك التي كوّنتها مع هؤلاء الأشخاص. لكن في تلك اللحظات، كنت أعود كثيراً إلى جملة أبي القديمة: “مو أنتي كتيرة الغلبة، بس الأستاذ قليل مروءة”. ربما لم يكن أبي يقصد أن تكون تلك الجملة فلسفة حياة، لكنّها تحوّلت مع الوقت إلى بوصلتي. وحين أفكر في كل ما حدث، أرى خيطاً صغيراً يصل بين باحة المدرسة قبل سنوات طويلة، وبين قاعات المحاكم التي وقفت فيها لاحقاً. الخيط نفسه: أن السكوت عن الظلم هو ظلم، وأن الله لا يحبّ الظالمين. نظنّ، كلما تقدّم بنا العمر أننا نبتعد عن نحن؛ الأطفال القدامى، لكنّ الحقيقة أنهم يسكنوننا بصبر، ويظهرون في اللحظات الحاسمة، لحظات القهر والألم. اليوم، حينما أغمض عينيَّ، أرى في عقلي الباطن لوحة قديمة، فيها صورتان: صورة أبي الذي أحببته كثيراً، وصورة طفلة صغيرة تقف في زاوية الصف ويداها تؤلمانها، لكنّها ما زالت تنظر إلى الأستاذ بعينين ممتلئتين بالاحتجاج. تحاول ألّا تبكي حتى لا تُظهر ضعفها، فتشيح بنظرها نحو النافذة، لترى أرضاً شاسعة، تملأها أشجار الزيتون، وواحات من شقائق النعمان والبنفسج والعلّيق، ونساء ريفيات يحملن أكياس نايلون وسكاكين، يلتقطن الخبّيزة لطبخها لاحقاً مع الزيت الحارّ المعصور حديثاً. أقفز من مكاني خوفاً من أن تغرس تلك السكاكين في جسدي، ثم أفتح عينيَّ دامعتين من رائحة ذلك الزيت. وبعد كل هذه السنوات، أفهم أن ما كان يرعبني لم يكن السكاكين نفسها، بل هو أنني كنت أكبر باكراً في عالم يؤذي فيه البشر بعضهم بعضاً أكثر ممّا تؤذيهم الأدوات. فالسكاكين التي رأيتها يومها كانت في أيدي نساء يبحثن عن رزق بسيط وعشاء دافئ، أمّا السكاكين الحقيقية فكانت مخفيّة في أماكن أخرى، في يد أستاذ يضرب طفلة، وفي لسان شركاء الدرب الذين رأوا الظلم و صمتوا. ولأكون صادقة مع نفسي، كما كنت دائماً، ربما أخطأت في العنوان. فسكاكين الخبّيزة لم تكن يوماً تريد قتلي، بل كانت تلوّح لي من بعيد لتعلّمني أن الخطر لا يأتي دائماً من الأشياء الحادّة، بل كثيراً ما يخرج من المساحات التي ظنّناها آمنة ومن الأيدي التي لم نتوقّع الضربة منها. هبة عز الدين - ناشطة حقوقيةسكاكين الخبّيزة التي ستقتلني لو اخترت الصمت18.04.2026سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصريكتب قديمة: سحر ولعنات وذكريات منسيّة! 18.04.2026حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 18.04.202655 قرية محتلّة! أين تقع قريتنا؟ينشغل لبنانيون بسجال حول النصر والهزيمة! أكثر من مئة ألف لبناني خارج منازلهم وقراهم، ودولة مفلسة، وعزلة عربية ومثلها دولية، والتايم لاين اللبناني يبحث عمّن سيستثمر في هذه المأساة! "حزب الله" أم خصومه؟ فخصوم الحزب أيضاً يحتفلون بهزيمتنا على نحو ما يحتفل هو بـ"انتصاره".الأكثر قراءة[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]“نصرٌ” أجارنا الله من “زعرانه”…17.04.2026على وقع الحروب… كيف أعادت السوشيال ميديا صياغة وعي الشباب في الأردن؟16.04.2026خطّة وزارة الاتّصالات في الحرب: زيادة السعات وتوسيع خدمات “ستارلينك”16.04.2026كيف يمكن محاكمة إسرائيل على قتل الصحافيين؟17.04.2026سياسات الترحيل الجديدة: هل نحن أمام ICE أوروبي؟17.04.202633:18جدل واسع أثاره مشروع قانون الانتظام المالي، أو ما يُعرف بالفجوة المالية المعني بتوزيع خسائر الانهيار المصرفي والمالي، الذي يعيشه لبنان منذ العام ٢٠١٩. الخبير الاقتصادي الدكتور توفيق كسبار يشرح في مقابلة مع "درج" مقاربته لمشروع القانون.28.01.202633:37سنة على سقوط نظام الأسد ورفع جزء من العقوبات، ولا يزال أكثر من 90٪ من السوريين تحت خطّ الفقر، رغم الوعود الكبرى بالاستثمار وإعادة الإعمار. في هذه الحلقة من "ريل توك"، تحاور الصحافية اللبنانية هلا نصرالدين الباحث والأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي السويسري–السوري الدكتور جوزيف ضاهر، المتخصّص في الاقتصاد السياسي لسوريا وحركات الإسلام السياسي، خصوصاً "حزب…28.01.2026هبة عز الدين - ناشطة حقوقية18.04.2026زمن القراءة: 5 minutesليت الأمر توقّف عند المحاكم فقط، فعائلتي الممتدّة التي ربيت في بيوتها، وأكلت من زادها، ولعبت مع أطفالها، وتظاهرت مع شبابها، قرّرت أن تتبرّأ مني علناً. كنت في الصف الرابع الابتدائي، أدرس في مدينة قريبة من قريتي، الطالبة الوحيدة التي أتت من الريف وتتكلّم بالقاف! ما زلت أذكر الليالي التي قضيتها وأنا أبكي، وأكتم صوت بكائي تحت الغطاء حتى أنام، ثم أستيقظ في اليوم التالي لأذهب إلى المدرسة ذاتها وكأنّ شيئاً لم يكن. كان لا بدّ أن أتعلّم منذ صغري أن أبكي بصمت، لأني وأخوتي رأسمال أبي وأمّي، اللذين لم يكن لديهما امتياز في الحياة سوى أنهما متعلّمان ومثقّفان، وكذلك سيكون أطفالهما. يوم الأحد، كانت الحصّة الأولى هي الرياضة، ورغم البرد القارس، زرعنا مدرّس الرياضة في رتلين، كمسامير صلبة على حدّ قوله، لا تميل ولا تنحني، في باحة المدرسة، وراح يفتّش ما إذا كنّا ارتدينا البيجامات و”الأبواط”. وفي نهاية الرتل المحاذي لي، وقفت فتاة في صفّي، ليست صديقتي، لكنّها لطيفة، وصل التفتيش عندها، وقبل أن يسأل الأستاذ صارت تبكي وتُقسم له بأن بيجامتها لم تجفّ، رغم أن أمّها علّقتها على منشر صوبيا المازوت طوال الليل. لم يقتنع الأستاذ، وابتعد عنها قليلاً وطلب منها فتح يدها، ثم هوى بالخرطوم عليها، وصارت تنطّ كزنبرك! لقد كنّا فعلاً في ورشة خردة أو تصليح كائنات بشرية! التفتّ أنا وقلت له: “أستاذ حرام، أنا باكل عنها الخراطيم البقيّة!”. كنت أظنّ أن لديه من الفروسية ما يكفي ليعفو عن كلينا، لكنّه أكمل خرطومه الثاني، وضربني ثلاثة خراطيم، ثم قال لي: “مرّة تانية لا تكتري غلبة!”. بقيت أصابعي ملتهبة حتى نهاية الدوام، وبكيت قهراً وألماً، وحينما عدت إلى المنزل تحدّثت إلى والدي وقلت له: “فعلاً أشو بدّي بكترة هالغلبة!”، فقال لي: “والله يا بنتي مو أنتي كتيرة الغلبة، بس الأستاذ قليل مروءة”. لم أفهم يومها معنى المروءة، لكنّي شعرت أنها شيء يشبه الليدي أوسكار، برنامج الكرتون الذي أحببته كثيراً، لكنّ نهايته مؤلمة. أستطيع اليوم أن أقول بكل فخر: “أي، هكذا تربيت، وما زلت على عهد أبي، المرحوم عزّالدين جمعة الحجي، الأستاذ”. مرّت السنوات، وكبرت تلك الطفلة التي كانت تقف في باحة المدرسة ويداها ترتجفان من الألم، لكنّ شيئاً منها بقي في داخلي. بقيت تلك الفكرة البسيطة التي تشبه عناد الأطفال: أن الظلم يجب أن يُقال له “حرام”، وأن السكوت عنه لا يجعله أقلّ قسوة. تعلّمت لاحقاً أن العالم أكثر تعقيداً من ساحة مدرسة، وأن من يقول “حرام” قد يدفع الثمن. لكنّني تعلّمت أيضاً أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلاً وهو يتظاهر بأنه أعمى، وأن ما يمرّ أمامه لا يعنيه كأنه يعيش في كوكب آخر. ربما لهذا السبب، كلما واجهت موقفاً فيه ظلم، أسمع في داخلي صوت تلك الطفلة التي لم تكن بطلة، ولم تكن شجاعة بشكل استثنائي، كانت فقط طفلة لم تتحمّل أن ترى غيرها يُظلَم. بعد سنوات طويلة من تلك الواقعة الصغيرة، بدأت تصل أخبار مجازر الساحل وخطف النساء. أخبار وشهادات يصعب تصديقها من قسوتها. لم تكن امرأة من عائلتي قد خُطفت، ولم يكن لديّ سبب شخصي مباشر يجعلني أتكلّم. كان بإمكاني أن أقول إن الأمر لا يعنيني، أو أن أختار الصمت مثل كثيرين وكنت أعرف أن السكوت أحياناً هو الطريقة الأسهل، وأن الكلام قد يجلب المتاعب. ومع ذلك، قرّرت ألا أسكت. قلت إن ما يحدث يجب أن يُعترف به، وإن النساء لا يجوز أن يُستخدمن كسلاح في الحروب، ولا كأداة للانتقام الجماعي، ولا كورقة في الصراعات السياسية. في وقت قصير، تحوّل كلامي إلى سيف مصلت على رقبتي، فرُفعت ضدّي دعاوى، ووجدت نفسي أقف في المحاكم، أشرح وأدافع وأُعيد القول نفسه: الاعتراف بالانتهاكات ليس خيانة، والسكوت عنها ليس حياداً، والدولة التي حلمت بها هي التي تدافع عن كل السوريات والسوريين بغضّ النظر عن دينهم أو عرقهم، وأن أيّ انتهاك لامرأة هو انتهاك لي. لكن ليت الأمر توقّف عند المحاكم فقط، فعائلتي الممتدّة التي ربيت في بيوتها، وأكلت من زادها، ولعبت مع أطفالها، وتظاهرت مع شبابها، قرّرت أن تتبرّأ مني علناً. أكذب إن قلت إن ذاك لم يؤلمني، فالتخلّي مؤلم، ولا يتعلّق بهجر الأشخاص لك، لكنّه طعن في قلب تاريخك وماضيك وذكرياتك التي كوّنتها مع هؤلاء الأشخاص. لكن في تلك اللحظات، كنت أعود كثيراً إلى جملة أبي القديمة: “مو أنتي كتيرة الغلبة، بس الأستاذ قليل مروءة”. ربما لم يكن أبي يقصد أن تكون تلك الجملة فلسفة حياة، لكنّها تحوّلت مع الوقت إلى بوصلتي. وحين أفكر في كل ما حدث، أرى خيطاً صغيراً يصل بين باحة المدرسة قبل سنوات طويلة، وبين قاعات المحاكم التي وقفت فيها لاحقاً. الخيط نفسه: أن السكوت عن الظلم هو ظلم، وأن الله لا يحبّ الظالمين. نظنّ، كلما تقدّم بنا العمر أننا نبتعد عن نحن؛ الأطفال القدامى، لكنّ الحقيقة أنهم يسكنوننا بصبر، ويظهرون في اللحظات الحاسمة، لحظات القهر والألم. اليوم، حينما أغمض عينيَّ، أرى في عقلي الباطن لوحة قديمة، فيها صورتان: صورة أبي الذي أحببته كثيراً، وصورة طفلة صغيرة تقف في زاوية الصف ويداها تؤلمانها، لكنّها ما زالت تنظر إلى الأستاذ بعينين ممتلئتين بالاحتجاج. تحاول ألّا تبكي حتى لا تُظهر ضعفها، فتشيح بنظرها نحو النافذة، لترى أرضاً شاسعة، تملأها أشجار الزيتون، وواحات من شقائق النعمان والبنفسج والعلّيق، ونساء ريفيات يحملن أكياس نايلون وسكاكين، يلتقطن الخبّيزة لطبخها لاحقاً مع الزيت الحارّ المعصور حديثاً. أقفز من مكاني خوفاً من أن تغرس تلك السكاكين في جسدي، ثم أفتح عينيَّ دامعتين من رائحة ذلك الزيت. وبعد كل هذه السنوات، أفهم أن ما كان يرعبني لم يكن السكاكين نفسها، بل هو أنني كنت أكبر باكراً في عالم يؤذي فيه البشر بعضهم بعضاً أكثر ممّا تؤذيهم الأدوات. فالسكاكين التي رأيتها يومها كانت في أيدي نساء يبحثن عن رزق بسيط وعشاء دافئ، أمّا السكاكين الحقيقية فكانت مخفيّة في أماكن أخرى، في يد أستاذ يضرب طفلة، وفي لسان شركاء الدرب الذين رأوا الظلم و صمتوا. ولأكون صادقة مع نفسي، كما كنت دائماً، ربما أخطأت في العنوان. فسكاكين الخبّيزة لم تكن يوماً تريد قتلي، بل كانت تلوّح لي من بعيد لتعلّمني أن الخطر لا يأتي دائماً من الأشياء الحادّة، بل كثيراً ما يخرج من المساحات التي ظنّناها آمنة ومن الأيدي التي لم نتوقّع الضربة منها.





