كتبت شيرين قسوس
في الأردن، حيث يمكن لملف أن ينام سنوات في درج مغلق، وحيث قد يحتاج السؤال إلى أسئلة أخرى قبل أن يصل إلى إجابة، خرج من خلف شاشة هاتف رجل بلا وجه معروف، بلا اسم حقيقي معلن، وبلا عنوان واضح، لكنه امتلك شيئاً جعل اسمه أكثر حضوراً من أسماء كثيرة تحمل صفات رسمية وألقاباً ومناصب: "الجنرال". اسم مستعار، لكنه لم يبقَ مستتراً طويلاً. تحول إلى ظاهرة، وتحولت صفحته إلى ما يشبه غرفة عمليات شعبية مفتوحة على ملفات الفساد وشبهات التجاوزات، وأصبح كثيرون يتعاملون مع منشوراته باعتبارها موعداً مع ملف جديد، أو وثيقة جديدة، أو تفصيل جديد يقلب المشهد.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن تقال بصوت مرتفع: كيف أصبح شخص مجهول الهوية يؤدي أمام الرأي العام دوراً يشبه الدور الذي يفترض أن تؤديه المؤسسات المعنية بالرقابة والتحقيق ومكافحة الفساد؟ "الجنرال" لا يظهر كناشط يكتفي بالغضب، ولا كصاحب صفحة يعيش على الإثارة. ما يميزه هو دخوله إلى التفاصيل.. أسماء، تواريخ، قوانين، أنظمة، مواد دستورية، إجراءات، تسلسل للوقائع، وربط بين ملفات قد تبدو منفصلة لمن يقرأها للمرة الأولى. يتصرف وكأنه يمسك بخيط طويل داخل غرفة مليئة بالأوراق، ثم يبدأ بسحب الخيط حتى تتجمع أمام المتابع صورة أكبر.
والأكثر لفتاً للنظر هو ذلك الإلمام الواسع بالدستور الأردني والقوانين والأنظمة. قد يختلف الناس حول تفسيراته أو حول صحة ما يطرحه في بعض الوقائع، وهذا أمر يجب أن يخضع دائماً للتدقيق والوثائق، لكن من الصعب تجاهل الحضور القانوني الواضح في خطابه. فهو لا يكتفي بالقول إن هناك خطأ، بل يحاول تحديد موضعه في النص، ومن أين يبدأ، وأين ينتهي، وما الذي كان يفترض أن يحدث وفقاً للقانون.
وهنا يصبح "الجنرال" أكثر إزعاجاً من مجرد صفحة مثيرة للجدل؛ لأن الشخص الذي يرفع صوته يمكن تجاهل صوته، أما الشخص الذي يفتح ملفاً ويضع حوله النصوص والوثائق والتفاصيل القانونية، فإنه يضع المؤسسات أمام اختبار أصعب: اختبار الإجابة.
ولذلك انتشرت حول هويته روايات متناقضة. هناك من شكك بأنه معارض مطلوب يعيش فاراً ومتوارياً، وهناك من ذهب في الاتجاه المعاكس تماماً، معتقداً أنه مرتبط بأجهزة الدولة أو يمتلك مصادر نافذة داخلها. وبين الروايتين بقي الرجل خلف ستار الاسم المستعار، من دون أن تحسم هذه التكهنات هويته بصورة موثوقة.
لكن المفارقة أن الجدل حول هويته أصبح أقل أهمية من الظاهرة التي صنعها. فحتى لو وضعنا اسم "الجنرال" جانباً، تبقى المسألة الأساسية قائمة: مواطن مجهول أصبح قادراً على جذب الانتباه إلى ملفات يفترض أن تكون تحت أعين الجهات الرقابية والرسمية، وأصبح الجمهور ينتظر منه ما كان يفترض أن يحصل عليه من قنوات مؤسسية واضحة وشفافة.
وهذا ليس انتصاراً لـ"الجنرال" بقدر ما هو إنذار للمؤسسات. فقوة أي صفحة على مواقع التواصل لا تأتي فقط من براعة صاحبها، بل من الفراغ الذي تملؤه. وكلما اتسعت المسافة بين المواطن والمعلومة الرسمية، اتسعت المساحة التي يستطيع أن يحتلها شخص مجهول يحمل ملفاً ووثيقة ورواية.
هنا بالضبط يصبح "الجنرال" ظاهرة اجتماعية وإعلامية تتجاوز حدود حساب على فيسبوك. لقد فهم شيئاً مهماً في المزاج الأردني: المواطن لا يريد كلاماً مكرراً عن النزاهة، بل يريد أن يرى الملف أمامه، ويريد وقائع ووثائق ونصوصاً، ويريد أن يعرف أين وصلت القصة، ومن المسؤول عنها، وماذا فعلت المؤسسات عندما ظهرت الشبهة.
وهذا تحديداً ما جعل "الجنرال" قادراً على صناعة حالة من الترقب. منشور واحد يمكن أن يشعل النقاش، ووثيقة واحدة يمكن أن تعيد فتح ملف، وتفصيل قانوني صغير يمكن أن يجعل قضية كانت تبدو عادية تبدو فجأة أكبر بكثير. والأهم أن الجمهور لم يعد يتعامل معه باعتباره مجرد مصدر للمعلومات، بل باعتباره شخصية ينتظر منها المفاجأة. لكن البطولة الحقيقية، في أي دولة، لا ينبغي أن تكون مجهولة الهوية. البطولة الحقيقية أن تكون المؤسسات نفسها قادرة على كشف الفساد قبل أن يكشفه "الجنرال"، وأن تفتح الملفات قبل أن يفتحها، وأن تقدم الإجابات قبل أن يتحول السؤال إلى قضية رأي عام.
إذا كان "الجنرال" مخطئاً، فالمؤسسات تملك القانون والوثائق والقدرة على الرد، وإذا كان مصيباً، فالأهم من التعامل مع صوته هو معالجة ما يكشفه. أما تجاهله، فهو أسوأ الخيارات، لأنه يمنحه شيئاً لا يمكن لأي جهة رسمية أن تمنحه له: مزيداً من الحضور في عيون الناس.
وفي الذاكرة الأردنية ما يكفي لفهم هذه الظاهرة. كان هناك زمن أصبحت فيه "شيحان" أكثر من مجرد جريدة؛ كانت ملفاتها تستحوذ على عقل الشارع، وكانت القضية التي تفتحها تتحول إلى حديث الناس، وكان صدور العدد الجديد موعداً ينتظره الأردنيون لمعرفة ما الذي ستكشفه الصحافة هذه المرة.
اليوم تغيرت الأدوات وتغيرت سرعة وصول المعلومة، لكن عقل الأردني لم يتغير كثيراً. ما زال يريد الملف الساخن، وما زال يريد الحقيقة، وما زال ينتظر من يفتح الباب المغلق. الفرق أن "شيحان" كانت تصل إلى الناس من خلال ورق مطبوع، أما "الجنرال" فيصل إليهم من شاشة هاتف. ولهذا فإن قصة "الجنرال" ليست قصة رجل مجهول فحسب، بل قصة جمهور وجد نفسه ينتظر منشوراً على فيسبوك كما كان ينتظر، ذات يوم، العدد القادم من "شيحان".
ومن يعرف الأردني جيداً يعرف أن أخطر شيء بالنسبة لأي ملف ليس أن يُفتح مرة، بل أن يصبح الناس ينتظرون فتح الملف الذي يليه. وهذا بالضبط ما فعله "سوبرمان الأردن": جعل الأردني ينتظر.