شيرين قسوس : البتراء بين الاحتفال والجدل
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتبت شيرين قسوس
شهدت الفترة الأخيرة حملة واسعة من الانتقادات والهجوم على الفعالية التي أقيمت في البتراء، وتجاوزت هذه الحملة حدود الاختلاف في الرأي لتتحول في بعض الأحيان إلى استهداف شخصي لعدد من المسؤولين، وفي مقدمتهم الرفيق عدنان السواعير، حيث صدرت مطالبات باستقالته من قبل بعض الشخصيات السياسية والنيابية، كما ساهمت بعض المواقع الإخبارية في تقديم صورة غير دقيقة عن الحدث من خلال عناوين وصياغات لم تعكس حقيقة ما جرى بشكل موضوعي ومتوازن.
إن الاختلاف في الرأي حق مكفول للجميع، وهو جزء أساسي من الحياة العامة في أي دولة تحترم التعددية وحرية التعبير، لكن هذا الحق يجب أن يبقى ضمن إطار الاحترام المتبادل والابتعاد عن التخوين والتحريض والتشهير. فالنقاش حول الفعاليات الثقافية والفنية والسياحية ينبغي أن يستند إلى الوقائع والمعايير الموضوعية، لا إلى المزايدات أو محاولات تحقيق مكاسب سياسية أو شعبوية على حساب الحقيقة.
ومن المؤسف أن بعض الأصوات تحاول احتكار الحديث باسم الدين أو القيم المجتمعية، متناسية أن التاريخ الإسلامي نفسه كان أكثر تنوعًا وتعقيدًا مما يصوره أصحاب الخطابات المتشددة. فمن يراجع صفحات التاريخ الإسلامي يجد اختلافات واسعة في أنماط الحياة والثقافة والفنون عبر العصور المختلفة، كما أن الآثار التاريخية الباقية حتى اليوم، ومنها الرسومات الجدارية في قصير عمرة التي تعود إلى العصر الأموي، تقدم شواهد تاريخية لا يمكن إنكارها على وجود أشكال متعددة من التعبير الفني والثقافي في مراحل مختلفة من الحضارة الإسلامية. كما أن قراءة التاريخ الأموي والعباسي تكشف أن المجتمعات الإسلامية كانت متنوعة ومتعددة، ولم تكن يومًا أسيرة رؤية أحادية أو تفسير واحد للحياة والثقافة.
الأخطر من ذلك هو تنامي الخطابات المتطرفة التي تسعى إلى تخوين كل من يخالفها، وتهاجم بلا هوادة كل من يدافع عن الدولة المدنية والتعددية واحترام الحريات العامة. فالمجتمعات لا تتقدم بالإقصاء أو الترهيب الفكري، وإنما بالحوار والانفتاح وقبول التنوع ضمن إطار القانون والقيم الوطنية الجامعة.
وفي السياق الأردني، لا يمكن تجاهل الأهمية الكبرى لقطاع السياحة باعتباره أحد أهم روافد الاقتصاد الوطني، ومصدرًا رئيسيًا للدخل وفرص العمل في مختلف المحافظات. فالمواقع الأثرية والتاريخية والطبيعية التي يمتلكها الأردن، وفي مقدمتها البتراء، تشكل ثروة وطنية تستحق الاستثمار والترويج المستمر على المستويين الإقليمي والعالمي. كما أن الفعاليات الثقافية والفنية والاحتفالات والمهرجانات أصبحت في مختلف دول العالم أدوات أساسية لتنشيط الحركة السياحية وجذب الزوار وإطالة مدة إقامتهم وزيادة إنفاقهم، وهو ما ينعكس إيجابًا على الفنادق والمطاعم وقطاع النقل والحرف اليدوية وسائر الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالسياحة.
إن دعم السياحة لا يتعارض مع احترام قيم المجتمع وثوابته، بل يمكن تحقيق التوازن بين الانفتاح الثقافي والحفاظ على الهوية الوطنية من خلال الحوار المسؤول والإدارة الرشيدة للفعاليات المختلفة. والأردن، الذي قام على التعددية والاعتدال والتعايش، يحتاج اليوم إلى خطاب عقلاني يجمع ولا يفرق، ويناقش ولا يخوّن، ويحترم حق المواطنين في الاختلاف دون أن يسمح بالتحريض أو الإساءة إلى الأشخاص والمؤسسات.
إن الدفاع عن الدولة المدنية والتعددية واحترام الرأي الآخر لا يعني التخلي عن القيم، كما أن دعم السياحة والفعاليات الثقافية لا يعني بالضرورة المساس بثوابت المجتمع. وبين هذا وذاك تبقى المصلحة الوطنية العليا هي البوصلة التي ينبغي أن توجه النقاش العام بعيدًا عن التشنج والتطرف والمزايدات، وبما يحفظ صورة الأردن كدولة مستقرة ومنفتحة وقادرة على التوفيق بين أصالتها التاريخية ومتطلبات التنمية والتحديث.





