شيخ "الإسلام" الأموي
قد تثور ثائرة الثائرين، ويسيل حِبْر الناقمين، بمجرّد سماع العنوان أعلاه، تماماً كتجربة الدكتور بافْلوف للانعكاس اللاإرادي. العنوان الذي يشير إلى واقع حال، خصوصاً بعدما وقفنا، في المقال السابق، على نماذج لمُغالاة الشيخ ابن تيميّة الحرّاني.
فمن ذا يُنكر رقْمه القياسي في عدد فتاوى التكفير، المرصّعة بجملته الشهيرة “يُسْتتاب وإلا قُتل”؟ ومن ذا يتجاهل اعتماد الإرهابيّين لِفكْره في تأصيل أفعالهم؟ ومن ذا لا يردّ بالاً لتحامُلِه على أهل بيت النبوّة الكرام؟
ينبغي أن نتصالح مع ذواتنا، كي نجفّف منابع العنف من أصولها، ونعترف بالتالي بخطورة المناهج التربويّة(1) والإعلام الذي لا زال يُشيِّخ الحرّاني علينا، ويهدّد أبناءنا وأجيالنا المتعاقبة.
على نسَق مقولة للإمام علي، يمكننا القول إنّ الإسلام كالنهر العظيم، يصلح إذا صلُحت روافده، ويفسد في المقابل إذا فسُدت روافده. ولسنا نحن من يُقيّم في هذا الحال، بل السِّنون والتاريخ والأجيال.
إنّنا كلّما طرحنا السؤال البديهي عن السبب الكامن وراء تعدّد قراءات القرآن الواحد، واختلاف العلماء في تفسيره، وعن تضارب آليات قبول السنّة النبوية، وبالتالي وجود أقلية معارضة في المشهد الإسلامي، وأكثريّة عددية من المسلمين هي مَن تحكم وتصول منذ تكوّنت بيضة الإسلام، قيل لنا للتو: “لقد تفرّق الصحابة والتابعون في الأمصار، ولذلك يوجد هذا الاختلاف”. وعلى ذلك نقيس وجود نُسخ متعدّدة للإسلام، تماماً كما يفرّق الأكاديميّون بين الإسلام السياسي والإسلام التقليدي أو الفطري. وإلى نفس ذلك ذهب ميشيل لوبْرا في كتابه “إسلام، جماعي أو مفرد؟”(2)، وكذلك أوليفييه كاري في كتابه “الإسلام العلماني”(3).
وحيث أنّ ابن تيميّة قد اعتبر “الحزن على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا فائدة فيه!”، ونفى الاستعانة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال حياته (ابن تيمية، “مجموع الفتاوى”، الجزء 18، الصفحة 319).
وحيث أنّ قرابة النبي ونسبه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنسبة للحرّاني لا يفيد ولا ينفع (ابن تيميّة، “دقائق التفسير”، الجزء 2، الصفحة 48).
وحيث أنّ “إيمان السيدة خديجة غير كامل كما غيرها” (ابن تيمية، “منهاج السنة النبوية”، الجزء 4، الصفحة 303 و304).
وحيث أنّه “لم يتمكّن أحد من آل البيت من الإمامة إلا علي بن أبي طالب، مع أنّ الأمور استصعبت عليه، ونصف الأمة أو أقل أو أكثر لم يبايعه”، وبالتالي “كانت ولاية عثمان بن عفان فيها من المصالح والخيرات ما لا يعلمها إلا الله، وما حصل فيها من الأمور التي كرهوها إلا كتأمير بعض بني أمية وإعطائهم بعض المال ونحو ذلك، فقد حصل من ولاية من بعده ما هو أعظم من ذلك من الفساد، ولم يحصل فيها من الصلاح ما حصل في إمارة عثمان”.
وحيث أنّ “الذي قتل عمر كان كافراً يبغض دين الإسلام ويبغض الرسول وأمته، والذي قتل علياً كان يصلي ويصوم ويقرأ القرآن، وقتله معتقداً أنّ الله ورسوله يحبان قتل علي، وفعل ذلك محبة لله ورسوله في زعمه، وإن كان في ذلك مبتدعاً ضالاً” (ابن تيمية، “منهاج السنة النبوية”، الطبعة الحديثة، الجزء 4، صفحة 155).
وحيث أنّ “هجر السيدة فاطمة الزهراء للخليفة أبي بكر لم يكن مما يُحمد عليه، ولا مما يُذم به الحاكم، بل هذا إلى أن يكون جرحاً أقرب منه إلى أن يكون مدحاً” (ابن تيمية، “منهاج السنة النبوية”، الجزء 4، الصفحة 244)، وبالتالي فإنّ “غضب السيدة فاطمة الزهراء كغضب المنافقين” (ابن تيميّة، “منهاج السنة النبوية”، الجزء 4، الصفحة 244 و246). هذا رغم أن غضب السيدة فاطمة الزهراء ثابت في الصحيحين وفي كثير من المجاميع الروائية، بل لم يتوقف هذا الغضب على مجرّد ميراثها لفدك، إنما يتعداه بسبب مسألة الهجوم على دارها، حيث صحّ ذلك وثبت عند المفكر المعاصر حسن فرحان المالكي عن 36 طريقاً(4).
لهذه الأسباب، فإنّ الشيخ ابن تيمية الحرّاني “أسّس لنسخة إسلام جديدة، لم يعهدها السابقون، ولم يهضمها اللاحقون الذين اطلعوا على شيء ولو قليل من تراث ‘أهل الكساء’ الكرام، ففاطمة الزهراء ‘سيدة نساء العالمين’، وأبوها (صلى الله عليه وآله وسلم) خير البريّة، وبعلها ‘قسيم الجنة والنار’، وبنوها ‘الحسن والحسين سيّدا شباب الجنة، وإمامان قاما أو قعدا'”.
ولذلك ذهب الشيخ صلاح الدين بن إبراهيم إلى أنّ ابن تيمية الحرّاني “يثبت بدعة المذهبيات، ولما جار الدواعش فإنما ساروا على نهجه ونهج محمد بن عبد الوهاب في نجد”(5).
كما أنّ الدكتور عدنان إبراهيم، في معرض سؤاله: كيف اختفت أحاديث أهل البيت؟، أورد قول أبي الفيض أحمد ابن الشيخ الصديق الغُماري في كتاب “الجواب المفيد للسائل المستفيذ” الصفحة 56، والذي ذكر ثلاثة أحاديث في شأن مؤسس الدولة الأموية، اثنان منها صحيح بشرط البخاري ومسلم: “إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه”. أما الثاني: “كنّا جلوساً مع رسول الله فقال يطلع عليكم رجل يموت يوم يموت على غير ملّتي… فطلع فلان”، يقول عدنان إبراهيم: “هكذا ستر أحمد بن حنبل اسمه كعادته، لكن البلاذري في ‘أنساب الأشراف’ صرّح به فطلع معاوية”(6).
في حين يقول الشيخ ابن تيمية في مُعاوية بن أبي سفيان: “وكانت سيرته مع رعيته من خيار سير الولاة، وكانت رعيته يحبّونه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، وإنما ظهر الإحداث من معاوية في الفتنة لما قتل عثمان، ولما قتل عثمان كانت الفتنة شاملة لأكثر الناس، لم يختص بها معاوية، بل كان معاوية أطلب للسلامة من كثير منهم، وأبعد عن الشر من كثير منهم” (منهاج السنة).
وقال كذلك: “فلم يكن من ملوك المسلمين ملك خيراً من معاوية، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده؛ أما إذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر، ظهر التفاضل” (منهاج السنة).
فإذا كان معاوية كذلك، فقد استخلف ابنه يزيد، الذي قتل الحسين ابن علي في السنة الواحدة والستين للهجرة، وفي سنة الثالث والستين من الهجرة أقدم على إباحة مدينة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في “واقعة الحرّة”، بعدما خلع أهل المدينة بيعتهم له، بسبب اعتبارهم له “رجلاً فاسقاً يشرب الخمر، وتضرب عنده القِيان، ويستحل المحارم”، فأرسل إليهم بجيش بإمارة مسلم بن عقبة المُرّي.
العجيب أنَّ الحرّاني لا يتبرّأ من يزيد بن معاوية هذا، الذي رغم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: “من أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين”(13) (مسند أحمد بن حنبل، ج4/ص55، وفي مجمع الزوائد عن الطبراني “فأخافه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين” قال: ورجاله رجال الصحيح، ج3/ص306)، رغم ذلك فقد قتل جيشه الأموي سبعون صحابياً من صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبق منهم بدريّ، ومن الأنصار سبعمائة، وأما من سائر الناس فقُتل عشرة آلاف بين رجل وامرأة، بل وافتُضّت في تلك المعركة ألف عذراء، وولدت ألف امرأة من غير زوج، كما يقول جلال الدين السيوطي، وذكر ذلك المدائني وغيره من المؤرخين(7).
وفي الأخير، إنّ استدلال الحرّاني بمقولة الحسن البصري: “إنّ الحجاج بن يوسف الثقفي عذاب الله، فلا تردوا عذاب الله بأيديكم” يؤكد أخذه بعقيدة “الجبر والإرجاء” التي انبنت عليها الدولة الأموية. دولة أنبتت ألوفاً من الحرّانيين، كما فُجعت مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بمولد ألف من الحَرِّيّين (من الحرّة).
الهوامش:
(1) أنظر مقالنا “خطورة المناهج التربوية”، جريدة هسبريس، 20 مارس 2025.
(2) Michel Le Bras, Islam, pluriel ou unitaire ?, 05/11/2024, Éditeur(s): Librinov, Paris.
(3) Olivier Carré, L’islam laïque ou le retour à la Grande tradition, 30 novembre 1993, Éditions Dalloz, Paris.
(4) حسن فرحان المالكي، “قصة الهجوم على بيت فاطمة بعيداً عن المبالغات”، 9 فبراير 2022 (محاضرة على اليوتيوب).
(5) الشيخ صلاح الدين بن إبراهيم، “من أعجب وأخطر فتاوى ابن تيمية الحرّاني!! نعم قالها، فصدّق!”، فاتح أكتوبر 2017 (محاضرة على اليوتيوب).
(6) عدنان إبراهيم، “ثلاثة أحاديث خطيرة عن معاوية علق عليها أبو الفيض الغماري”، 1 مارس 2023 (محاضرة على اليوتيوب).
(7) “تذكرة الخواص”، سبط بن الجوزي، ص259، “سير أعلام النبلاء” للذهبي، ج3/ص323، “إمتاع الأسماع” للمقريزي، ج12/ص246، “تاريخ الإسلام” للذهبي، ج5/ص26، “عمدة القاري” للعيني، ج17/ص221، “البداية والنهاية” لابن كثير، ج8/ص241.
The post شيخ "الإسلام" الأموي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.




