على ذلك فإن الرهان اللبناني المتجدد على المفاوضات الأميركية-الإيرانية، لا يأخذ في الاعتبار المتغيرات التي ستفرضها الحرب الحالية على قواعد التفاوض وعلى أولوياته ونتائجه، أي إننا أصبحنا في مرحلة جديدة كليا وفي نسق تفاوض مختلف كليا أيضا وبالتالي ما عاد يمكن القياس على ما قبله، ولاسيما أن تضارب المواقف الإيرانية بشأن المفاوضات يوحي بأن ثمة حلقة فارغة في دائرة القرار الإيراني. وليس قليل الدلالة في هذا السياق طلب باكستان من الولايات المتحدة إبلاغ إسرائيل بعدم استهداف وزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهما الشخصيتان الإيرانيتان الرئيستان في مدار المفاوضات، ما يعني أن التفاوض لا تفرضه وقائع الحرب وموازين القوى وحسب ولكن أيضا بوالص التأمين الإسرائيلية الممنوحة للمفاوضين.
وبالعودة إلى الشق اللبناني فإن هذا الرهان الداخلي على المفاوضات الأميركية- الإيرانية والذي لا يعبّر عنه علنا إلا في دوائر ضيقة وداخل الحلقات المؤدية لـ"حزب الله" أو دوائر اللبنانيين الخائفين والذين يتطلعون إلى بصيص نور في آخر النفق، هو دليل على أن نوافذ الحل مغلقة أمام لبنان سواء من الشرق أو الغرب، وهذا أمر غير مسبوق في أي من الحروب اللبنانية المديدة، بما فيها حرب 2024.

فقساوة الحرب الحالية حرمت اللبنانيين القلقين والمنكوبين، من متعة التكهن كما في الحرب السابقة والتي ظنوا أنها ستكون الأخيرة، بمآلات مفاوضات لبنانية-إسرائيلية بوساطة أميركية يقودها هذه المرة السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بعد أن قادها في المرة السابقة المبعوث الأميركي آموس هوكشتين والذي "تلبنن" وكثر الكلام عن تعلقه بلبنان وولهه بـ"المازة"... هذا كله ترف لا يبدو أن الحرب الحالية قابلة له في وقت يبدو أن ضراوتها ونتائجها وأكلافها ستتجاوز كل الحروب والاجتياحات الإسرائيلية السابقة، بما في ذلك اجتياح عام 1982 والذي احتلت إسرائيل خلاله أول عاصمة عربية هي بيروت.









