في محطة ما، كانت ثورية بالنسبة لي سراجاً أضاء طريقي، كانت طقسي اليومي. كنت ممن ولجوا مقر أمنستي من الطلبة القادمين إلى الرباط، ليجدوا في استقبالهم يومياً هذه السيدة. من هذا الطقس، وفي هذا المقر، نسجت علاقتنا عبر كل هذه السنين، ومع هذه السيدة تعلمت بأن الفوران والصراخ ليس الطريق الأنجع للتعبير عن الرفض ورفع سقف المطالب، بل الطريق إلى العدالة والحق الإنساني يبدأ من قناعة بأن المبدأ كل لا يتجزأ، وبأن التنازل ضريبته مرتفعة، وبأن المقارعة والحجة والإقناع والاشتغال بكل صدق هو الطريق الموصل، وإن تعثر وتعثر، لا بد وأن يصل إلى المحطة الأخيرة.
يصعب هنا سرد كل ما حققته هذه السيدة بصدق وبتفانٍ، ولكن أيضاً بقناعات لم تتنازل عنها يوماً.
أبعدتني يومياتي عن مقر أمنستي، لكن ثورية ظلت وفية لهذا المكان. يخيل إليّ أن جدران هذا المقر لو كانت تنطق، لألفت أكثر من سردية عن هذه السيدة.
في أكثر من لقاء التقيتها، وفي كل مرة كان السؤال التالي يراودني: لماذا ظلت بهذا الوفاء؟ كان ممكن أن تحلق نحو أفق آخر؟ وفي كل مرة تأتي الإجابة عبر ذلك الهدوء الذي يسكنها. هكذا هم الصادقون والوفيون للمبدأ، لا يتنازلون ولا يخضعون لمنطق الإغراء.
كانت في تصالح مع ذاتها ومع قناعاتها، لذلك ظلت رغم السنين بنفس الملامح وبنفس الابتسامة. إنه الرضى الذي يخترقنا عندما نكون في تناغم إنساني مع ذواتنا.
عند وفاة سي سكتاوي، اتصلت بي لكي أشارك في كتيب تأبيني حول الراحل. سعدت كثيراً بطلبها هذا، وكانت جد سعيدة بما كتبت. وقبل فترة فقط، اتصلت بها من أجل أن أسجل معها بودكاست مسار. اعتذرت بلباقة، ألححت لتخبرني عن مرضها، وأنها لم تعد تذهب إلى المقر إلا لماماً. صعقت من الخبر. لم تكن تكشف عن وجعها. في تأبين سكتاوي كانت تتحرك على عكاز، لم يخطر ببالي أنها كانت تعاني من وجع حقيقي.
وهي تخبرني بأنها انقطعت عن مقر أمنستي، عاد شريط مسار بأكمله. كانت فيه هذه السيدة حاضنة لجدرانه، ولكل العابرين له، ولكل الإشعاع المعرفي والفكري الذي كان يحلق في هذا المقر، بفضل سيدة لم تنل ما تستحقه لكل ما قدمته، سيدة اسمها ثورية بوعبيد.
اسم سيظل محفوراً على جدران أمنستي، وبالنسبة لي، سأظل مدينة لهذه السيدة التي بفضلها تعلمت بأن عدم التنازل عن المبدأ هو المكسب الحقيقي للذات الإنسانية....
شكراً ثورية، رغم أنك تستحقين أكثر من مرثيات نخطها على جداريات افتراضية.
وداعاً أيتها السيدة العظيمة بكل دلالات هذه الكلمة......
كنت أود أن أكون حاضرة في وداعها إلى مثواها الأخير، لكن قيل لي بأن وصيتها كانت أن تدفن في مسقط رأسها: مدينة تازة.
لروحك سلام سيدتي.





