يعد الفنان الراحل عبد اللطيف فتحي، أحد رواد المسرح الشعبي في سوريا، ورائد “تشويمه” بعد أن كانت اللهجة المصرية مسيطرة عليه، فأخرج المسرح الشعبي من حالة الإسفاف التي قوامها التهريج والضحك المجاني، ليصبح على يديه مسرحاً اجتماعياً هادفاً، وإن ظلت الكوميديا إطاره العام، فقدم مسرحيات تتناول معاناة الناس، انتقد الاستغلال الذي يتعرض له الفقراء، وانتقد الواسطات والمحسوبيات وغيرها من المثالب الاجتماعية، ولعل مسرحية “صابر أفندي” التي كتبها حكمت محسن وقدّمها فتحي مرتين، الأولى عام 1958 والثانية 1968 تعد النموذج الأوضح للمسرح الاجتماعي.
وإن كان قد أبدع في المسرح الشعبي، فإنه تألق أيضاً في المسرح الكلاسيكي، فأدى أدوراً رائعة باللغة الفصيحة، وصل فيها إلى قمة عالية، ولعل أدواره في مسرحيات “الملك لير” و”ترويض الشرسة” و”البخيل” خير دليل على ذلك، وسيبقى في ذاكرة المسرح في سوريا مدرسة ينهل منها المسرحيون الشبان.
كان شخصية جذابة ومحبوبة، يتحدث بلهجة الواثق بنفسه والمعتد برأيه، كان عندما يتحدث يحرك يديه باستمرار في اتجاهات مختلفة، يستعين بهما للتدليل على صحة كلامه، وكان كلامه ممزوجاً بالسخرية، وكان سريع البديهة لاذع الرد إذا اضطره الأمر إلى ذلك وعلى بساطته وعفويته كان معتداً بنفسه لا يتنازل عن كبريائه وكرامته لأحد، وكان صريحاً في آرائه في اللحظات التي تقتضي ذلك.

على الصعيد الفني كان شديد القلق عندما يقدم عملاً جديداً، يرقب رد فعل الجمهور الذي كان بالنسبة إليه “الترمومتر” الذي يقيس مستوى العمل الفني بدقة.
كان له أسرة كبيرة تكونت من زوجته عناية الزركلي، وله ابن واحد وسبع بنات، وكان أباً عطوفاً وحنوناً على أولاده، لكن في الوقت نفسه كان صارماً في تربيته، يسمع مشاكلهم بصدر رحب ويساعدهم على حلها، لم يدخل أحد من أبنائه ميدان الفن، فقد كان رفضه لذلك قطعياً لأنه لم يشأ أن يعانوا ما عاناه في مسيرته الفنية الطويلة، وكان يمنعهم من الاختلاط بأهل الفن حتى عندما يزورونه في منزله.
النشأة والطفولة
ولد عبد اللطيف فتحي قصبللي في حي “ساروجة” بدمشق عام 1916 في منزل محافظ، بدأ دراسته عند “شيخ كتّاب” الحارة، ثم انتسب إلى مدرسة “أنموذجية البحصة الابتدائية”، وحصل فيها على الشهادة الابتدائية، ولم يتابع دراسته النظامية بعد ذلك، لكنه عوّضها بقراءة الكتب وكوّن لنفسه مكتبة منزلية كبيرة.
امتلك في طفولته موهبة التقليد، فكانت والدته في استقبالاتها تطلب منه التقليد أمام ضيفاتها، وكانت النساء يضحكن من قلوبهن منه، كان يتمتع بروح فكاهية وخفة دم، فكانت والدته تشكل على صدره “شبّة وخرزة زرقاء” حتى لا تصيبه العين.
لم يكن الفن أولى هواياته، فقد مارس قبل ولوجه عالم الفن ثلاث هوايات، رياضي ملاكم وخطاط ورسام كاريكاتير.
البدايات الفنية
بدأ أولى خطواته الفنية عام 1931 عندما انتسب إلى نادي “دار الألحان والتمثيل”، وأول مرة أتيح له الوقوف على خشبة المسرح في مسرحية “البدوية الجميلة” بعد أن اضطر أحد الممثلين الثانويين للتغيب فتم تكليفه بأداء الدور.
تخصصت الفرقة بتقديم المسرحيات التاريخية بالفصحى واشترك فيها فتحي بأدوار متفاوتة، وكان يلقي “المونولوجات” الضاحكة والناقدة في الاستراحات بين الفصول، واستمر مع الفرقة حتى عام 1934، علماً أنه في عام 1932 انضم إلى فرقة “إيزيس”، وأبرز نشاطاتها بعد انضمامه إليها كانت مسرحية “الانتقام العادل”.
كما شارك مع فرقة “أمين عطا الله” المصرية في بعض عروضها في دمشق، وكانت عينه على فرقة “حسن حمدان”، وهي الفرقة الأكبر والأشهر في سوريا التي انضم إليها فعلاً، لكن الطريق لم يكن ممهداً، فوسط فرحته العارمة واجهته عقبات عدة أولاها أن عليه أن يترك بيت والده للسفر من بلد إلى بلد.
استمر عبد اللطيف مع هذه الفرقة لنحو عام، ثم أسس فرقة لتقديم المنوعات الغنائية، لكنها لم تبصر النور وانفرط عقدها سريعاً، لينضم إلى فرقة “عطية محمد” المصرية عام 1937، وفي عام 1939 انضم إلى فرقة “ناديا العريس” نجماً، وأسندت إليه إدارة الفرقة واستمر عمله نحو خمس سنوات.
فرقة خاصة
في عام 1946 كوّن فرقته الخاصة “الفرقة الاستعراضية”، وكان مضطراً لتقديم المسرحيات باللهجة المصرية، لكنه في قرارة نفسه كان يطمح أن تحل اللهجة الشامية محلها، حتى بدأ ذلك فعلياً عام 1947 فاستغنى بداية عن الشخصيات المصرية، وفي عام 1948 استغنى تماماً عن اللهجة المصرية لتصبح اللهجة الشامية هي السائدة، وما لبث أن غيّر اسم فرقته لتحمل اسم “فرقة عبد اللطيف فتحي” لأنه قرر تحويلها إلى فرقة مسرحية فقط والاستغناء بالتدريج عن الفقرات الفنية الأخرى، واستمر نشاط الفرقة عشر سنوات تقدم عروضها في دمشق والمدن السورية الأخرى، وفي لبنان وفلسطين والعراق والأردن.
المسرح الحر
في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، بدأت الفرق الفنية تتوقف عن العمل بسبب شجع أصحاب المسارح والصالات وتدخلهم في أعمال الفرق وبرامجها، الأمر الذي دفع الفنانين إلى تشكيل تجمّع فني يحميهم من هذا التسلط ويحافظ على مستوى راقٍ للمسرح، وفي البداية امتنع فتحي عن الانضمام إليه لكنه ما لبث أن سارع بالانضمام بعد أن وجد أنه يحقق طموحاته المسرحية، وأصبح له فيه مساهمات أساسية في التأليف والإخراج والتمثيل.
بعد انفراط عقد “المسرح الحر” الذي انضمت كوادره لـ”المسرح القومي” عند تأسيسه عام 1960، كان لا بد لعبد اللطيف من البحث عن نافذة جديدة، فقام بتشكيل فرقة مسرحية جديدة خاصة به أطلق عليها “فرقة المسرح الكوميدي” التي سارت جنباً إلى جنب مع “المسرح الشعبي”.
وبعيداً عن “جمعية المسرح الحر” شارك بعدد من العروض المسرحية، منها الملحمة المسرحية الكبيرة “يوم من أيام الثورة السورية” التي قدمتها “الفرقة السورية للتمثيل والموسيقا” وكان عضواً فيها.
المسارح الرسمية
بعد تأسيسها عام 1960 كان لعبد اللطيف وجود قوي في المسارح “القومي والشعبي والعرائس”، وأوكلت له مهام مدير “مسرح العرائس”، واستمر بذلك حتى عام 1965، ولم يكتف بمهام المدير بل أخرج عشر مسرحيات، وفي عام 1966 أصبح مديراً لـ”المسرح الشعبي” واستمر فيه حتى عام 1968 حيث تمت إعادة ضمه إلى “المسرح القومي”.
وكان لعبد اللطيف مع المسرح القومي حكايات بين عامي 1967 و1979 قدّم خلالها ست مسرحيات ولوحة مسرحية صغيرة على مسرح الحمراء.
في عام 1971 انبثقت عن “المسرح القومي” فرقة “المسرح الجوال”، وكان لفتحي مشاركة واحدة فيها تمثلت بتأليف مسرحية “البحث عن لطوف”، وعُرضت في دمشق وإدلب وحلب والرقة ودير الزور والقامشلي ثم في اللاذقية وطرطوس وحمص ودرعا والسويداء.
وفي مطلع عام 1977 صدر قرار بإحالته إلى التقاعد لبلوغه سن الستين، لتنقطع علاقته بـ”المسرح القومي”، لكنه استمر يمارس نشاطاته في المجالات الأخرى كالإذاعة والتلفزيون والسينما وفرقته المسرحية الخاصة.
أعمال تلفزيونية
أول عمل تلفزيوني لعبد اللطيف كان عام 1966، واقتصر تعامله مع التلفزيون على نحو عشر سنوات، إذ إن آخر عمل تلفزيوني شارك به كان عام 1977، فشارك في خمسة مسلسلات، تنوعت بين الكوميدي والجاد، وتنوعت فيها الأدوار التي لعبها، فكان أول مسلسلاته “الدولاب” الذي أنتج في جزأين وتم عرضه على شاشة “التلفزيون العربي السوري” عامي 1971 و1972.
وفي مسلسل “صح النوم” الذي قام بإنتاج الجزء الأول عام 1972 والثاني 1973، لم تكن مشاركة عبد اللطيف مقررة، فقد أسند دور رئيس المخفر للفنان فهد كعيكاتي، وبالفعل قدّم شخصية “العريف أبو فهمي” في الحلقتين الأولى والثانية، لكن خلافاً وقع بينه وبين منتج ومخرج العمل خلدون المالح حول الأجر، فأسند الدور إلى عبد اللطيف واضطر المخرج إلى تغيير السيناريو والحوار ليتناسب مع شخصية رئيس المخفر الجديد “بدري أبو كلبشة”، هذه الشخصية التي أوصلته إلى النجومية العربية، حيث جعل “أبو كلبشة” يتمتع بحاسة شمّ عالية و”أنف لا يخطئ” في تتبع الجريمة والمجرمين، كما أعطاه جملة قصيرة باتت خالدة في ذاكرة الجماهير العربية “أنا يللي دوّخت موسوليني”.
أما السهرة التلفزيونية “ملح وسكر” فكانت صلة الوصل بين جزأي المسلسل، وهي ليست مسلسلاً بل حلقة واحدة مدتها ساعتان وعرضت على جزأين.
وشارك عبد اللطيف في مسلسل “انتقام الزباء” الذي عرض عام 1974 بالأبيض والأسود، وأيضاً في مسلسل “حامض حلو” عام 1976، أما آخر مسلسلاته فكان “الحب والشتاء” عام 1977.
وشارك في عدد من التمثيليات والمسرحيات التلفزيونية وجميعها في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين بالأبيض والأسود، وجاء بعضها من ضمن برنامج “سهرات أهل الفن”، ومن هذه المشاركات “القناع الأسود” و”الزوجة الثانية” و”امرأة تبحث عن مشكلة”، وبعيداً عن هذا البرنامج شارك في عدد من التمثيليات منها “الكسلان العظيم” و”مرتي أرصاد جوية”.
الفن السابع
اضطر عبد اللطيف للعمل في السينما لأسباب مالية بحتة، لتأمين دخل جيد يوفر من خلاله مستلزمات أسرته الكبيرة التي ضمت تسعة أبناء، وبلغ عدد الأفلام التي مثّل فيها أحد عشر فيلماً هي: “سائق الشاحنة” 1966 و”موعد مع الأمل” 1967 و”خيمة كركوز” و”غراميات خاصة” 1974 و”حبيبي مجنون جداً” و”العالم سنة 2000″ و”صح النوم” و”الخاطئون” و”عندما تغيب الزوجات” 1975 و”أموت مرتين وأحبك” 1976 وهناك فيلم واحد باسمين مختلفين “الراعية الحسناء” و”امرأة حائرة” 1967.
نشاطات أخرى
شارك عبد اللطيف في عدد قليل من الأعمال الإذاعية التي توزعت بين البرامج والمسلسلات والتمثيليات، منها “أمينة” و”رغوة صابون” و”تكسي في مدينة المرح” و”رماد الأيام” و”الثرى والثريا”، لكن البرنامج الأهم هو “رحلة الأربعين سنة” الذي وثّق المسيرة الفنية لحياة عبد اللطيف وبصوته من ألفها إلى يائها.
كما خاض غمار الأداء الغنائي في نطاق محدود، وجميع ما قدمه لا ينتمي إلى الغناء الطربي، وإنما إلى الغناء الناقد والساخر والضاحك، وله سبعة أعمال غنائية لحنها جميعها سهيل عرفة وكتب كلماتها عمر حلبي.
آخر المشوار
استمر عبد اللطيف في عطائه الفني حتى عام 1976 وبعد ذلك توقف عطاؤه توقفاً شبه كامل، ومنذ ذلك العام وحتى رحيله لم يقدم سوى مسرحية وحيدة هي “تعال نضحك” عام 1983، ولا شك أن قرار إحالته إلى التقاعد 1977 كان له أثر سيئ في حالته النفسية جعله ينكفئ على نفسه.
في مطلع آذار عام 1986 تعرض لأزمة قلبية حادة نقل إثرها إلى المشفى يوم الخامس من آذار، ليرحل مساء السابع من الشهر نفسه عن سبعين عاماً أمضى نحو خمسين منها في خدمة الفن، وفي يوم الثامن من آذار شيع إلى مثواه الأخير، وحملت شاهدة القبر عبارة “مرقد المرحوم فنان الشعب عبد اللطيف القصبللي تغمده الله برحمته”، وتحت هذه العبارة نقشت كلمته المشهورة “يا ساتر”.





