سجالات الموسيقى والأسبقيّة الفكرية
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
قبل أيام نشبَ سجالٌ شديدٌ في برنامجٍ تلفزيوني بشأن أسبقية «النوتة» الموسيقية على الأفكار. والمدافعُ عن ذلك يرى أن الفكرة المتبنّاة في هذه القطعة أو تلك نابعةٌ من تأويل السامع للموسيقى، فلكل سامعٍ تأويله الفكري أو القصصي أو الملحمي. بمعنىً آخر، فإنَّ ما يقدّمه العازف ليس فكرةً مقصودة، وإنما مساحة رحبة ومتاحة للتأمل والتفاعل. لكل سامع الأحقّية في أن يصنع من أي قطعةٍ موسيقية فكرته الخاصة، ولكن النوتة ليست مهمتها إيصال رسالة معيّنة. وفي نظري أنَّ الموسيقى ليست فكرة، أو دعوة، أو رسالة، وإنما حيلة حسّية، عمقها في اعتباطية دلالتها، وهي ليست دلالة حتى نحكّمها إلى الفهم... من هنا يكون التأثير الفلسفي على الموسيقى ليس تأثيراً في جوهر المجال، وإنما بالإيحاء إلى تماسّ المنتج للموسيقى مع المنجزات الفلسفية القائمة. بقيت الموسيقى الكلاسيكية مثلاً ضمن موضوعات التهم الطبقية مع صعود الماركسية، وانتهتْ إلى أن تكون وجبة شعبية تعمل في المحالّ وأماكن الترفيه. حمّلت الموسيقى خطأ الأفكار، وباتت مشجباً لانهيار النظريات الكبرى. يرى، على سبيل المثال، إيفانجليوس موتسوبولوس في بحثٍ له عن «الميتافيزيقا والموسيقى» أن «الموسيقى؛ كبقية النشاطات الفنية، تعبّر، ولكن بقوة أشد، عن التساؤل الميتافيزيقي، وذلك من خلال مضاعفته على طريقتها». إنه هنا يستمد دلاليّة الموسيقى من أسسٍ أفلاطونية تربط الموسيقى بالكون. غير أن الموسيقى براءة مستمرة، وفطريّتها لا تكدّرها دِلاءُ النظريات المرهقة التي تستعمل الموسيقى دينياً ونضالياً أو دلالياً. نعم؛ إن الموسيقى بقيت متمسّكة باستقلاليتها، وتأثّرها بالفضاءات الفلسفية ليس تأثراً دلالياً، إنما هو التأثر الذي يمنح الموسيقى قدرتها على الممانعة ضد تدجينها، سواء أكان ضمن «الاتهام الشيوعي» أم أي ادعاءات أخرى، ولا يمكن لمطرقة النضال أن تهشّم بيت الموسيقى العتيد. لم تكن الفنون منعزلةً عن حلقات النقاش أو صرعات النظريات أو غليان التأويل... كانت حاضرةً ومُحَايِثَةً، بل سابقة في كثير من الأحايين، وآية ذلك أن الموسيقى ارتبطت بالتحولات البشرية، فهي تتفاعل مع المحيط وتأخذ منه وتعطيه؛ ذلك أن الفنون إجمالاً، والموسيقى تحديداً، لا تلبث أن تخاتل النظرية. ولو تأملنا في سير الحضارات وشرر النظريات لوجدنا أنَّ الموسيقى إما تسبق التحول، وإما تُحَايِثَه، وإما تتبعه، فهي منفعلة بالتحول وفاعلة له، والأمم التي تأسست تحولاتها ضمن فضاء الموسيقى استطاعت أن تفتتح مشروعاً أبدياً لتأميم الموسيقى وجعلها لغة سائدةً بين المجتمعات... من هنا يكون العالم عبثاً من دون موسيقى، أو غلطة؛ كما هو تعبير الفيلسوف نيتشه. لذلك؛ يشكو الفيلسوف فؤاد زكريا من عدم وجود موسيقى عربية بينما غرق عالمنا بـ«الأغنية» العربية. والأغنية لا ترتبط بالفضاء الموسيقي بالمعنى الرحب، بل تتحوَّل الأصوات جيشاً من الخدم للكلمات. من هنا صارت حتى موسيقانا شعرية، وطغت الأغنية على الموسيقى في الحال العربية، والموسيقيون العرب جزء من الحالة الشعرية بمعنىً أو بآخر. الخلاصة؛ أن نماذجَ التكوين الموسيقي على الطراز الأوروبي، أو الروسي، لم تكن سائدة عربياً؛ ذلك أن الفضاء الموسيقي العربي ذو بعدٍ شعري وكلاميّ، ولا يزال... ومن هنا نكتشف علّة النقص في القدرة الموسيقية العربية على مستوى التأليف؛ إذ طغى التكوين الشعري، ومن ثم تحول النمط الموسيقي خادماً للشعر. وعليه؛ فإنَّ النمط الموسيقي لدينا يقوده الشعر أكثر مما تتجلى فيه الموسيقى.





